غويتيسُولو المُثقّف التنويريّ والمُفكّر والرّوائيّ الكونيّ

منذ 8 ساعات 1
ARTICLE AD BOX

عرفتْ أعمال  الكاتب الإسباني- الكطلاني خوان غويتيسُولو الأدبية تطوّراً هائلاً في خضمّ الأزمنة والأمكنة التي عاش في كنَفها الكاتب بحُكم صلاته بزملائه الكتّاب الآخرين مثل كورتاثار، وغارسيا ماركيز،وبرغاس يوسا، وكارلوس فوينتيس،وأمريكو كاسترو وسواهم الذين جاهدوا جميعُهم – وهو معهم- من أجل دعم الثورات السياسية، والسّعي وراء التجديد الإستاطيقي، سواء في اللغة أو في صناعة الأدب، وكانوا يتميّزون بنظرةٍ سياسية شمولية لم يكن لها وجودٌ في إسبانيا إلاّ لِمَاماً. كانوا يثورون ضدّ العالم الثنائي للقطبيْن الذي كانت تملأه الشكوك ،والقلاقل ، واكتشفوا الخديعة الكبرى التى كانت تزيّنها لهم الثقافة الرّسمية حول تاريخهم الحقيقيّ وجذورهم، وحول قدَرِهم وتوجّهاتهم الجماعيّة، حيث كانوا يَرَوْن في الأدب الحقّ فرصة لتحرّرهم وانعتاقهم.

آراء أخرى

  • أحمد اليبوري... حين يصيرُ الأستاذُ ذاكرةً للجَامعة

  • مأزق التموقع الإبستيمولوجي للسوسيولوجيا المغربية

  • محددات لفهم عمق الأزمة بين إيران وأمريكا

وسط تلك المعمعة والملحمة أطلّ غويتيسولو في مستهلّ حقبة الستينيّات من القرن الفارط ،إنه الباريسيّ إقامةً، و الكطلانيّ-الإسبانيّ جنسيةً ، والمراكشيّ تبنّياً، كان مثبط الهمّة من جرّاء تراجع وتقهقر اليسار،ومذعوراً من تدرّج صعود اليمين المتطرّف وزمرته وذلك ما أمسينا نراه اليوم  فى اسبانيا وفى بعض البلدان الأوربية . في تلك الظروف الانتقالية الصّعبة طفق غويتيسولو في كتابة روايات من نوع جديد ، وسار على نفس الدّرب ما ينيف على أربع أحقاب. كان يتميّز  بأسلوبه المُميّز الذي تطبعه السّخرية الذكيّة، والتلميحة المُرّة، والتهكّم اللاّذع الذي يعود بنا إلى أزمنة سيرفانتيس وكيفيدُو أو إلى أبي عثمان الجاحظ و عبد العزيز البِشْري.

غويتيسُولو صوتٌ متفرّد بين معاصريه

كان غويتيسولو من أبرزالكتّاب الاسبان نظراً لما يمتاز به من صوتٍ أدبيٍّ متفرّد بين باقي الأدباء من بني طينته، ولنوعية كتبه، ورواياته المتعدّدة، التي أثارت جدلاً ما زال يُسْمَع صداه الى اليوم ليس في إسبانيا وحسب، بل وفي الأوساط الأوربية والأمريكية والانجليزية والعربية كذلك، لجرأتها، وخاصّيتها وإشكاليةِ الإبداع فيها التي تنطلق من التعامل مع اللغة من منظور تفجيرها وتفكيكها، وتغيير مسارها، وإعطائها نفسَاً إبداعياً خلاّقا،كما انّه يُعتبر مثالاً للإستقلال الفكريّ، والثقافيّ،وممثّلا  للإلتزام والتجديد في الأدب الاسباني المعاصر.

في معرض إعجاب غوستيسُولو بالعرب وتراثهم وحضارتهم ولغتهم نلاحظ أنّ إستيعابَه وتمثلَه للفضُول الأوروبيّ الشّره جعله يتحوّل شيئاً فشيئاً الى مُواطن إسباني من نوع خاص،عاشقٍ لأنماط الحياة والثقافات واللغات من مختلف المناطق الجغرافية،لا ينحصر عشقُه وولهُه بكيبيدُو، أو غونغورا، أو ستيرْن، أو فولتير، أو مالارميه، أو جويسْ، بل يتعدّاه كذلك الى إبن عربي، وأبي نواس، وابن حزم، والى التركيّ جلال الدّين الرّومي. إنّ هناك عوامل إيجابية، وطاقات إبداعية هائلة مختلفة من كلّ نوع لهؤلاء وأولئك على حدّ سواء، فعندما يكلّف المرءُ نفسَه عناءَ تعلّم لغةٍ صعبة جدّاً مثل اللغة العربية وقد جاوزالسبعين من عمره، فانه ينبغي أن تكون هناك دواعٍ عميقة لذلك، والحقيقة أنّ الدواعي كانت موجودة عنده فهو يعتقد جازماً وعن كلّ قناعةٍ أنه يستحيل فهم الثقافة الإسبانية وهضمها بشكلٍ شاملٍ ودقيق دون استيعاب التراث الإسلاميّ، ومعرفة الثقافة العربية،وكلما دخل في هذه الثقافة،تأكد له بشكلٍ جليٍّ قيمة وأهمية ما ورثه الاسبان عن تلك القرون للوجود الاسلاميّ في شبه الجزيرة الايبيرية.

إنه يرى أنّ هناك من ناحية أخرى جانب المودّة في العلاقات الإنسانية التي إنعدمت في المجتمع الأوروبي الذي  كان يعيش فيه وينتمي إليه، ففي مدينة مراكش التي كان قد اختار الاقامة فيها يخبرنا أنه  كان فى إمكانه أن يكتب وأن يقرأ، كما يمكنه الخروج للنزهة والتحدّث الى الناس البسطاء وليس مثل ما هو عليه الأمر في باريس ونيويورك اللتين انعدمت فيهما العلاقات الإنسانية وتلاشت.

نستشفّ من هذا الكلام العميق أنّ غويتيسولو كان يشعر بتعاطفٍ كبير نحو الثقافة الاسلامية، فقد قرأ نصوصاً دينية إسلامية كثيرة تهمّه جدّاً، مثلما يقرأ أعمالاً لماغلان، أو ابن عربي المُرسي، أو سان خوان دي لاكرُوث،بمعنى أنها كانت تبدو له وسيلة تعبير أدبي راقٍ جدير بالإعجاب.

أثار غويتيسولو بهذه الافكار ردودَ فعلٍ متباينةٍ في الأوساط الأدبية والثقافية الإسبانية، التي ضمّنها كتبَه أومقالاتِه التي لا تخلو من نقدٍ لاذعٍ للمجتمع الاسباني، وللمثقفين الإسبان بشكل عام، ورميهم بروح الإنغلاق، وعدم تفتّحهم على ما يدور حولهم من تظاهرات ثقافية خاصّة لدى جيرانهم العرب.

مراكش الحمراء فى قلب اهتمامته وابداعاته

كان خوان يثير هذه المواضيع في مختلف المحافل والمنابر، نظراً لما يربطه بالعالم العربيّ من أواصر المودّة والإعجاب، حيث تحتلّ مراكش بالذات حيّزاً مهمّاً في أدبه،وبالخصوص فى روايته “مقبرة” أو في سيرته الذاتية “منطقة مُسيّجة محظورة” ، و”أسابيع الحديقة” التي تجري بعض أحداثها في حيّ القصبة.أو في سواها من الدراسات حول الحضارة العربية مثل كتابه “إسبانيا في مواجهة التاريخ..فكّ العُقد”،وحول الدّور الكبير الذي اضطلع به المسلمون خلال وجودهم بالأندلس، وإيمانُه القويّ في قُدْراتهم الابداعية، وعطاءاتهم الثرّة في مجالات العلوم على اختلافها، وفي حقول الآداب والشعر والفكر والفلسفة والموسيقى والمعمار، وحول التقارب الذي ينشده بين العرب واسبانيا بحُكم العوامل التاريخية والحضارية والجغرافية، ودعوته المتواصلة الى إسدال ستائر الحقد والضغينة، وإزاحة حُجب التجاهل والتنافر والتنابذ والبِعاد ، والتعرّف عن قرب على ما يجري في البلدان العربية من غليان فكريّ، ونهضة ثقافية، وتطوّر حضاريّ في مختلف الميادين.

إذا كانت ” ساحة جامع الفنا” الشهيرة قد أصبحت تراثاً إنسانياً لا ماديّاً اليوم، من طرف منظّمة اليونسكو العالمية ، فالفضل فى ذلك يعود لغويتيسولو،يقول صديقُه الكاتب “فرناندو ديّاث بلاخا ” عن هذه الساحة الفريدة : ” إنه لكي نغوص فى عمق التاريخ ، ونجول فى الماضي البعيد ، ينبغي لنا أن نقوم بإطلالة على “ساحة جامع الفنا “، فساعة يدنا فى هذا المكان السّحري قد تتحوّل فى رمشة عين إلى ساعة رملية، إذ نشعر ونحن فى خضمّها أنّنا قد عُدنا الزّمانَ القهقرىَ مئات السنين، إنّها السّاحة التي تُرْوىَ فيها قصيدة ” السّيد” و” لاثيليستينا” و ” كورباتشّو”، حيث يغدو الشارعُ شبيهاً بسيرك كبير مباشر مُقسّم إلى أطراف، وأجزاء ،إلى أناس يتجمهرون زرافاتٍ ووحداناً فى كلّ مكان ،تتوفّر فيه جميع الأذواق التي تستجيب لكلّ الرّغبات، وتُرضي كلَّ الأعمار”.

لقد عشق غويتيسولو مراكش وساحة جامع الفنا التي اعتبرها امتيازاً فريداً تمكّنه من الغطس في عالم قد اختفىَ ،وعندما كان يتحدّث عن مراكش، فإنه يشير إليها بأنها مدينته. كانت إقامته الطويلة فى المغرب فرصة للتأمل والكتابة والقراءة في التراث والحضارة المغربية والعربية والإسلامية، وهو ما ساعده على ما أنتجه من كتب وقصص وروايات مستوحاة من عمق الثقافة المغربية، ومن واقع المجتمع المغربي بمختلف تجليّاته وخصوصيّاته.

في حفل تكريمه بعد رحيله تحدّث عنه عدد من الكُتّاب المغاربة، فأشارُوا إلى أنه تعلّم لغة ولهجة أهل مراكش وخاطبهم بها، وجلس في مجالسهم، واندمج في حياتهم البسيطة، حيث يعرفه الصانع التقليدي، والتاجر، وأصحاب الحلقة، وجيرانه في الحيّ الذي يقطنه، وسكان الأحياء العتيقة فى المدينة، التي كان يرتادها، كما عاشر وجالس ثلة من المثقفين والمبدعين وأهل العلم والسياسة وحقوق الإنسان. وعند تسلّمه جائزة سرفانتيس من ملك إسبانيا عام 2015 أعلن أنه “يتشرّف بإهدائها إلى سكّان مدينة مراكش الذين احتضنوه بحنوّهم ومودّتهم ورحّبوا بشيخوخته المتعبَة”.

ليست الضيافة المتميّزة التي حظي بها الكاتب وحدها التي جعلته الابن الروحي للمغرب، بل جاء ذلك من إهتمام وتقدير الكُتّاب والمترجمين والقراء في هذا البلد له الذي تمتاز فيه الحركة الثقافية بالحيوية والانفتاح والتفاعل مع الآخر. وتضيء شهادة الصّديق إبراهيم الخطيب وصديق غويتيسولو جانبًا من هذه الصورة : “الرّجل يُعتبر آخر المورسكييّن، الذي اهتمّ بالثقافة العربية والإسلامية اهتمامًاً كبيرًاً”.

عندما كان الشاعرالصّديق حسن نجمي رئيسًا لاتحاد الكتاب عام 2003، مُنحت  لغويتيسولو العضوية الشرفية  فى هذا الاتّحاد. وفي السنة نفسِها طلب منه  نجمي أن يكرّمه اتّحاد كتّاب المغرب فرع مراكش، فأبىَ، وقال له أنه لا يحبّ التكريم، ولم يقنعه إلاّ عندما قال له : “إننا سنقيم لك يومًاً دراسيًاً حول أعمالك، إذّاك استجاب وتمّ دعوة العديد من المثقفين المغاربة لهذا اليوم الذين تناولوا فيه بالدراسة أعمالَ خوان الروائية والفكرية، وكانت سعادته عارمة”. كانت موضوعات فكره وثقافته لا تخلو من شجاعةٍ أدبية، وإنصافٍ مُحقّ للعرب والشهادة لهم بمواكبة التيارات الفكرية المعاصرة وإتّهام بني طينته الإسبان بالقصور في هذا المجال. كما أنّه كان معروفاً بمناصرته ودفاعه عن قضايا الإسلام والمسلمين والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص .

دفاعُه المُستميت عن التكامل الثقافيّ العربيّ – الاسبانيّ

يدافع غويتيسولو عن مغزىَ التداخل والتكامل  بين الثقافيين  العربية والاسبانية عكس ما يحدث في إسبانيا في الوقت الراهن من ميولاتٍ إقليمية وانفصالية منكمشة ومنغلقة على نفسها، إلاّ أنّ تدخّلاته في هذا القبيل لم تكن مفهومة بما فيه الكفاية. إنّه يشير في هذا الصّدد: “أنّ الدفاع عن التعدّد الثقافي والتنوّع الفكري أو تعدّد قنوات الثقافات القائمة في محيط بلدٍ مّا شيء، وإقامة حواجز بين هذه الثقافات وتصنيفها في حيازة فرَضيات ذات مضامين معّينة وطنية أو محليّة شيءٌ آخر مخالف للسّابق. إنّ ثقافة من هذا القبيل منكمشةعلى نفسها لهي ثقافة مُنكِرَة لوجود سواها من الثقافات ، فالتزوير المتعمَّد للماضي التاريخي، وتشذيب أو حذف أو التغاضي عن كلّ ما هو أجنبيّ من الثقافات من شأنه أن يُفقر أو يُفسد الحقيقة في حدّ ذاتها. كما أنّ ذلك يُشكّل حاجزاً يقف حجرَعثرة في سبيل التداخل المتناغم للثقافات. إنّ المثال الأعلى للفكر التعدّدي هو أن يكون فكراًً متقبّلا ومفتوحاً خلاّقاً. وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإنّنا نورّط أنفسَنا ونجعلها تغيّر موقعَها الحقيقي من تاريخ إسبانيا. إنّ النيّة المبّيتة التي تُجرِِّد جميع تلك المعطيات من عناصرها الصالحة بشكلٍ تعسّفيّ لهويّة وطنية مّا، لهي نيّةٌ تتّسم بنظرة ضيّقة ومنغلقة، ذلك أنّ تاريخ أيّ شعب إنّما هو خلاصة التمازج الحضاري والتأثيرات الخارجية التي استقبلها وهضمها، وإسبانيا خيرُ مثالٍ للبلدان التي استفادت بشكلٍ إيجابي مباشروكبير من الحضارة العربية التي تألّقت وازدهرت وبلغت أوجها فوق ترابها زهاء ثمانية قرون ونيّف، بالعطاءات الثرّة في مختلف مجالات الحياة التي ما زالت تطبع الحياة الإسبانية وتميّزها عن سواها حتى اليوم .

المغرب واسبانيا بَلَدَان محكومٌ عليهما بالتفاهم !

يصرّ غويتيسولو انه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا،فما أفدحََ الجهل المتفشّي فينا، ينبغي أن نمحي من رؤانا المشترَكة جميعَ الصّورالمشوَّهة، والأفكار الخاطئة، كما ينبغي أن نُقصي عنّا جميعَ الرّواسب والتأويلات التي تحُول دون تعرّفنا ونطردُها من أذهاننا،أظنّ أنّ اسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرَهما معرفة عامّة كجاريْن عاشا على امتداد التاريخ واحداً بجانب الآخر، فرّقهما الجهلُ أحياناً بشكل  يُجاوز كلَّ حدّ، إنه كان يرى انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا واسعة ومتشعّبة،إذ ينبغي على اسبانيا ان تعمل على إعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال افرقيا، وإيفاد الأساتذة والمحاضرين، وإقامة جولات مسرحية ، وتنظيم عروض سينمائية، وعلى المغرب من جانبه أن يقوّي حضورَه الثقافي باسبانيا ،وتقديم الصّورة الحقيقية للثقافة المغربية للرّأي العام الاسباني بنشر أعمال كُتّابه، وفنّانيه ،وفولكلوره الثريّ .

ذلك ما أكّده فى  إحدى مقالاته فى هذا الصدد  إنه  يقول : “إنّ تاريخ العلاقات الاسبانية المغربية ، كان موسوماً بنوعٍ من التباعد الذي يشكّل وصمةَ عارٍ في جبين الاسبان ،تطبعه محاولات ذات نيّة حسنة من الجانبين، ولكنّها جاءت متأخّرة،وتميّزه كذلك فرصٌ محمُودة للتفاهم والتقارب ولكنّها غالباً ما تُقبَر في مهدها،إنّها جملةُ جهود إلاّ أنها غيرُ ذات جدوى لأّنّها تسير ضدّ التيّار، تيار الزّمن الذي لا يُقاوَم.

إنّ بُعْد اسبانيا عن المراكز المحرّكة للإمبريالية الأروبية كان في إمكانه أن يجنّبها إرتكاب التعسّف التاريخي للدّول العظمىَ عندما قرّرت بجرّة قلم توزيع القارّة الإفريقية فيما بينها كما لو كانت توزّع قطعةَ حلوىَ، إنّ المنطق السليم كان معدوماً بالنسبة لإسبانيا في ذلك الوقت إزاء هذا الأمر بتورّطها فيه. بل إنه على الرّغم من الفتات الذي كان نصيبَها في هذا الحفل الاستعماري جدير بنا أن نتساءل:كيف يُعقل أن يكون في مقدوراسبانيا إحتلال جبال الريف؟ إذا لم يكن في إستطاعتها تفجير وإستغلال وتسكين المساحات الشّاسعة لمناطق” أراغون” و”إستريمادورا” ، أو منطقة” سييرّا مورينا”..؟ لقد كان لابدّ لها أن تتحمّل آثارَ مرحلتين مُخزيتين لحرب لا فائدة فيها: إندحارُها في معركة أنوال ، وفضيحة خروجها مستغاثة من هذه الحرب بفضل التدخّل العسكري الفرنسي.

انّ قيام الجمهورية الثانية كان في إمكانها إستغلال فرصة محو أخطاء اسبانيا الماضية لعدم ميلها للتحاور مع ممثلي الحركات الوطنية المغربية،انّ شيئاً من هذا لم يحدث، وبدلاً منه فإنّ الحكومات سواء كانت من اليمين أو من اليسار قد اكتفت بمضاعفة تقوية ما كان قد بدأه الجنرال “بريمو دي ريفيرا”وكان ذلك موقفاً مُخجلاً، ترك آثاراً وخيمة بالنسبة لقضية الديموقراطية في إسبانيا، ممّا سنح للجنيرالات المتمرّدين سنة 1936إستغلال النّصْب الإفريقي لفرض أربعين عاماً من الحُكم الفرنكاوي في إسبانيا.

إنّ إنسحاب اسبانيا من مناطق شمال إفرقيا كان يعني بوضوح المحو التام  لحضورها في تلك المناطق، إنّه هجران ميئوس منه ،أو بمثابة إستعمار ما يمكن أن يُوسَم بالأخذ والردّ ، الذي لم يُقم أيَّ وزنٍ لمناطقها “المحروسة” في كلٍّ من الرّيف، وجبالة، وطرفاية وإيفني ، لقد حمل الاسبان معهم ما أمكنهم حمله ممّا كان في ثكناتهم ومراكزهم الرّسمية حتى الرّصاص، والميازيب،والصنابير، انّ مشروع إحلال اللغة والثقافة الفرنسيتين بدل الإسبانية في منطقة الشمال ما زال مستمرّاً بشكل يصعب تداركه،انّ شباب الناظور، والحسيمة، والشاون، وتطوان،والعرائش، وطنجة يتحدّثون الآن الفرنسية حتى وإن كانوا في العمق يوثرون اللغة الإسبانية، وعدد المغاربة الذين يجيدون الاسبانية في تضاؤل سنةً بعد أخرى وهم يتلاشون كما يتلاشى جلد مطرقة”.

ثمّ بدأت مهزلة حرب إيفني عام 1957 وعدم القدرة على السّيطرة على السّاقية الحمراء ووادي الذهب، وتشجيع اسبانيا لخلق حركة انقسامية أو إنفصالية بين الصحراويين التي أفضت الى نتائج خطيرة شبيهة بتلك التى سبّبتها إنجلترا في فلسطين (كذا) ، ممّا أدّى من جهة أخرى الى خلق مواجهة بين دول المنطقة والوقوف حجرعثرة أمام الجهود المبذولة من أجل بناء المغرب الكبير، انّ أعمال الفئة السياسية في إسبانيا وعدم وضوح رؤيتها، واطّلاعها على مشاكل شمال افرقيا تُبيّن لنا بشكلٍ يدعو للأسف فقدان إستراتيجية وطنية واضحة للحفاظ على المصالح المشتركة،  فى سيدي إيفني كان الوضع أكثر إثارةً للشّفقة والحُزن ، فعندما إنسحبت إسبانيا من هذه المنطقة فإنّها جلت عنها بصفةٍ نهائية،وقد تركت مبانيَ شبحية مخيفةً لا نوافذ لها ولا أبواب،ولم يبق أيّ قاطن إسباني واحد في هذه المنطقة، ولم تكن بها أيّة مدرسة إسبانية ،ومن أجل إقتلاع كل شئ والقضاء على أيّ أثر في هذه المنطقة فإنّ إسبانيا حملت معها حتى أمواتها في توابيتهم !

انّ المغرب واسبانيا لا يلبثان من تكرار التعبير المأثور وهو انّهما بلدان محكوم عليهما بالتفاهم، وعلي الرّغم من انّ هذه الصيغة مضبوطة وصادقة الّا انها مع ذلك لا ينبغي ان تشطّ بنا بعيدا،انّ الصداقة بين البلدين لا يمكنها ان تترعرع في ظلّ أو شكل حُكْم مفروض بواسطة قدَرية جغرافية، بل لابدّ لنا ان نخطو خطوة أخرى الى الأمام،انّ كلاًّ من القطاعات الاقتصادية، والسياحية، ومخططات التعاون، والمشاريع الصناعية إلخ لابد أن يواكبها تبادل ثقافي خصب ومكثف يزيد بلداننا تعارفاً وتقارباً أكثرمن ذي قبل.

كما أنّ أهم وأبرز الجوانب في مسيرة غويتيسولو من جهة اخرى تكمن في اندماجه العميق مع فئات مسحوقة تعاني القهر والظلم، وتبنّيه لقضاياها ودفاعه عنها، فعندما كان لا يزال مقيماً في باريس تعرّف على بعض مناضلي حركة “فتح” الفلسطينية ووضع قلمه في خدمة قضية فلسطين. وفى سنة 1988 سافر إلى فلسطين حيث كتب عن ثورة الحجارة بصفته “رجلاً معنياً مباشرة بالنضال الذي يخوضه شعبٌ للدفاع عن أرضه في مواجهة فظاظة الاقتلاع ومناخ الأساطير الخادع.

سافر خوان أيضاً إلى سرايّيفو أيام الإبادة العِرقية التي مارسها الصّرب على أهلها البوسنييّن. وألّف عن رحلته تلك كتاب “حصار الحصارات” عام 1999. وعندما ذهب الى الشيشان ورأى الويلات أصدر كتاباً بعنوان “عندما تُسدل الستارة” وعمل مراسلًا حربياً في سراييفو والشيشان، وهي التجارب التي تحوّلت إلى تحقيقات ذات بُعد تحليلي عميق. كان غويتيسولو في كل مرّة يُحرج الغربَ بكتاباته ويَفضح الأنا الأوروبية المنغلقة على نفسها وأكاذيبها، ولقد سجّل مواقف مؤيّدة للحراك العربي بعد عام 2011.

ينبغي ألاّ يَعزُب عن بالنا  فى هذا المقام أنّ غويتيسولو وصف عمليات الطّرد التعسّفي، والتهجيرالقسري ،والترحيل الجبري لأكثر من 300 ألف موريسكيّ من شبه الجزيرة الايبيرية بأنها “بقعة سوداء ” في تاريخ إسبانيا، وأنها كانت “عملية تطهير عرقيّ دمويّ”، ووصف الاحتفال بـ”استرداد إسبانيا” بمثابة الوصمة السوداء. وانتقد خوان التاريخ الإسباني الرّسمي على إنكاره للدّور المحوري للعرب والمسلمين في صياغة الشخصية الحضارية لإسبانيا في القرون الوسطى. **

كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية-الأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.

** من مداخلة د. محمد محمد خطابي في ندوة”خوان غويتيسُولو عاشق المغرب والإنسانيّة”بمعرض الكتاب الدّولي الأخير بالرباط التي شارك  فيها كذلك الناقدان ابراهيم الخطيب، ود. محمد آيت لعميم.

المصدر