ARTICLE AD BOX
في العلوم السياسية، لا تقوم السلطة التنفيذية فقط على اتخاذ القرار، بل أيضا على صناعة الرواية أو السردية التي تبرر ذلك القرار.
آراء أخرى
ويُعتبر ما يسمى “عقيدة الإنكار”، من أخطر ما يمكن أن تقع فيه الحكومات عندما تواجه الأزمات، أي محاولة تحويل الفشل أو العجز، إلى مجرد “سوء فهم”، وتحويل غضب المواطنين إلى مبالغات، وتحويل الوقائع الصلبة إلى مجرد ادعاءات.
هذه العقيدة، لا تعني فقط إنكار الأخطاء، وإنما تعني كذلك بناء خطاب سياسي كامل، قائم على نفي الواقع، حتى وإن كان المواطن يعيشه يوميا، في جيبه وصحته ومعيشه ومستقبله.
وفي المغرب، وخلال السنوات الخمس الأخيرة، بدت حكومة عزيز أخنوش، وكأنها تقدم نموذجا واضحا لهذا المنطق، فبدل الاعتراف بالأعطاب البنيوية التي تخترقها، والعمل على ترميم الثقة المفقودة فيها، اختارت في كثير من الأحيان خطاب التبرير والإنكار، والتقليل من حجم الأزمة، التي يمكن تقديمها أو رصدها في الأمثلة التالية.
تضارب المصالح.. أخنوش يحوّل “الدولة” في خدمة السوق
من أبرز الأمثلة التي فجرت النقاش العمومي، الجدل المرتبط بصفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي تبلغ قيمتها حوالي 15 مليار درهم، وما أثير حولها من شبهات تضارب المصالح، بسبب تقاطع القرار العمومي مع مصالح اقتصادية مرتبطة برئيس الحكومة.
المثير في هذا الملف ليس فقط طبيعة الانتقادات، بل طريقة التعامل معها، إذ لم تبادر الحكومة إلى فتح نقاش عمومي شفاف يبدد الشكوك، بل اتجه الخطاب الحكومي، إلى الاعتراف باستفادة شركة رئيس الحكومة، مع التقليل من أهمية الموضوع، وكأن مجرد طرح السؤال حول تضارب المصالح يعد استهدافا سياسيا.
وهنا تتجلى عقيدة الإنكار بوضوح، أي بدل إقناع الرأي العام بالمعطيات والشفافية، تم التعامل مع القلق الشعبي، واسئلة المعارضة، باعتبارها مشكلة في المواطنين لا في طريقة التدبير.
التغطية الصحية.. أرقام رسمية وواقع مختلف
المثال الثاني يتعلق بالتغطية الصحية، إذ رفعت الحكومة شعارات كبرى مرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، وقدمت المشروع باعتباره “ثورة اجتماعية”، غير أن الواقع كشف اختلالات كبيرة، بعدما وجد ملايين المغاربة أنفسهم خارج التغطية الصحية، أو عاجزين عن الاستفادة الفعلية منها.
والحديث عن حرمان حوالي 8.5 مليون مواطن من التغطية الصحية ليس مجرد رقم، بل هو تعبير عن فجوة بين الخطاب الحكومي، والواقع اليومي للمواطن البسيط، الذي يصطدم بالإقصاء والحرمان، وضعف الخدمات الصحية، وارتفاع تكاليف العلاج.
لكن بدل الاعتراف بأن تنزيل المشروع عرف ارتباكا واختلالات، استمرت لغة الاحتفاء بالإنجاز، وكأن الأزمة غير موجودة أصلا.
عيد الأضحى والقطيع الوطني.. تضارب الأرقام في مستوى الكذب
المثال الثالث، يتعلق بملف القطيع الوطني من الماشية، حيث قُدمت سنة 2025 معطيات رسمية طمأنت المغاربة بشأن وضعية الماشية، قبل أن يتبين لاحقا أن الواقع أكثر تعقيدا، وأن الأسعار والندرة كانتا تعكسان أزمة حقيقية.
وقد شعر كثير من المواطنين بأنهم تعرضوا للتضليل، خصوصا بعدما تحول عيد الأضحى إلى مناسبة مثقلة بالقلق والعجز المالي، في ظل الارتفاع غير المسبوق للأسعار، وفي سياق هذا الوضع، جاءت إهابة أمير المؤمنين بعدم ذبح الاضحية، لتخفف عن المغاربة الضغط، وتحفظ القطيع الوطني من الاندثار.
لكن المشكل لم يقف عند هذا الحد، حيث استمر الواقع نفسه تقريبا، خلال سنة 2026، وبرز غلاء أسعار الاضاحي، وقلتها في عدد من الأسواق.
المشكلة هنا ليست فقط في التقديرات الخاطئة، بل في غياب الجرأة السياسية للاعتراف بأن السياسات الفلاحية والدعم العمومي لم تنجح في حماية التوازن الغذائي والاجتماعي للمغاربة، ولم يفلح الانكار في إخفاء الأزمة.
القدرة الشرائية.. المواطن لا يكذب
يمكن للحكومة أن تقدم عشرات المؤشرات الماكرو اقتصادية، لكن المواطن يحاكم السياسات من خلال السوق والفاتورة وثمن الخبز والمحروقات والكراء وباقي الخدمات.
وخلال السنوات الأخيرة، عرفت القدرة الشرائية، في مثال رابع، تآكلا واضحا بفعل الغلاء والتضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، بينما بدا الخطاب الحكومي منفصلا عن المعاناة اليومية للمواطنين.
فالناس لا يشعرون بالنمو حين يصبح الدخل عاجزا عن تغطية الحاجيات الأساسية، ولا يقتنعون بخطابات الطمأنة، حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة مستمرة مع الأسعار.
وإذ تنكر الحكومة عمق الأزمة الاجتماعية، فإنها لا تواجه المعارضة فقط، بل تواجه الإدراك الجماعي للمجتمع.
المديونية.. المستقبل المؤجل على حساب الأجيال
في المثال الخامس، يتسع حجم المديونية بشكل متزايد، ما يطرح أسئلة حقيقية حول نموذج التدبير الاقتصادي لحكومة أخنوش.
فالاقتراض قد يكون أداة مشروعة للاستثمار والتنمية، لكنه يتحول إلى مصدر قلق حين يصبح وسيلة لتغطية الاختلالات البنيوية وتمويل التوازنات الظرفية.
ومع كل ارتفاع في حجم الديْن، يزداد العبء على الأجيال المقبلة، بينما يستمر الخطاب الحكومي في تقديم الوضع الاقتصادي باعتباره تحت السيطرة الكاملة.
وهنا أيضا تحضر عقيدة الإنكار، تأجيل الاعتراف بالمشكلة إلى أن تصبح أكثر كلفة وتعقيدا.
أزمة ثقة لا أزمة تواصل
المشكلة الأساسية التي واجهت حكومة أخنوش من بدايتها إلى اليوم، يتضح أنها ليست فقط أزمة قرارات، بل أزمة ثقة، لأن المواطن المغربي لم يعد يطالب بالكمال، بل يطالب بالصدق السياسي، والاعتراف بالأخطاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة.
وإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي، ليس وجود الأزمات، بل الإصرار على إنكارها من طرف السلطة التنفيذية، لأن الشعوب ومنها الشعب المغربي، قد تصبر على الصعوبات، لكنها تفقد الثقة حين تشعر أن معاناتها يتم نفيها أو التقليل منها، أو تحويلها إلى مجرد سوء فهم إعلامي أو تواصلي.
وعندما تصبح السياسة مجرد تمرين مستمر على الإنكار، كما عاشه المغرب طيلة خمس سنوات، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع تتسع، وتتحول المؤسسات من فضاءات للحل إلى فضاءات لإدارة الغضب وتأجيل الانفجار.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







