ARTICLE AD BOX
الزملاء الأعزاء،
آراء أخرى
ليس من عادتي، ولا من عادتكم، أن نكتب لبعضنا رسائل مفتوحة أو خطابات مباشرة، سوى في الأوقات الصعبة.
عندما تبدأ الصحافة تتحدث عن نفسها، فهذا معناه أن هناك خطبًا ما في هذا الجسم، وأن هزةً مهنيةً عنيفةً وقعت فيه ؛ فوظيفة الصحافة أن تتحدث عن الآخرين، لا عن نفسها.
ماذا حدث؟
الذي حدث هو أن الفريق الصحفي المرافق للفريق الوطني لكرة القدم إلى أمريكا لتغطية الفعاليات الرياضية، سافر بدعم من الجامعة الملكية لكرة القدم،وهذا يمكن تفهُّم دواعيه ؛ حتى دون القبول به أو التسليم بجوازه ؛ نظرًا للوضعية التي توجد عليها المقاولة الصحفية وليس بالضرورة وضعيات كل مدرائها الذين اغتنى جلهم من الازمة التي ضربت بيت الصحافة بكل أشكالها اليوم: الورقية والإلكترونية والإذاعية التلفزية، إذ خسرت جمهورها ومواردها، وأصبحت تتنفس من رئة واحدة هي الدعم العمومي، وبدعة الشراكات مع الأحزاب والشركات والوزارات والمؤسسات العمومية…
ومن الغريب ؛ وهو ما عرفته مؤخرًا ؛ أن وزارة الخارجية هي الأخرى أصبحت توزع المال العام على الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، كأنها تُسوِق صابون الطاووس أو حليب سونطرال!
المفروض في الإعلام أن يغطي أي حدث يستحق التغطية بدون شراكات ولا بيع ولا شراء لخطوط التحرير الا ما تعلق بالاعلانات وهذه ايضا لها قواعدها ومكانها وقانونها ، وهذا كله ليحتفظ الصحافي بمسافة نقدية ؛ والنقد فيه وفيه هنا؛ من الحكومات والمؤسسات والشركات والراسمال .
رأيت، فيما يرى المتفرج، أن جل أعضاء الوفد الصحفي المرافق للمنتخب الوطني يرتدون جميعًا قمصان الفريق الوطني ، في تماهٍ لم يسبقنا إليه أحد في الخلط بين المشجع والصحفي هذا الاخير يجب أن يترك مسافة بينه وبين موضوعه، مهما كانت مشاعره وأحاسيسه وحماسته ، وإلا، كيف سينقل الحدث بموضوعية؟ وكيف سيعلق عليه بحس نقدي؟ وكيف سيميز خيوطه البيضاء من السوداء، إذا تحوَّل الصحفي من عينٍ ترقب وتنقل وتنتقد ؛ وفق الجنس الصحفي الذي تشتغل عليه…الى مشجع في معسكر ضد اخر …
ثم كيف سيثق فيك القارئ أو المستمع أو المشاهد المغربي او العربي او الافريقي ، وأنت تذوب في كأس المنتخب، وتأكل وتشرب وتنام في غرفة الجامعة الملكية لكرة القدم ؟
في أمريكا وجُلّ دول أوروبا، ترفض وسائل الإعلام دعوات السفر المجانية من الحكومات والشركات والمقاولات، وتؤدي المؤسسة الإعلامية كل مصاريف صحفييها بنفسها ؛ حتى لا تختلط الأوراق والأدوار والمهام، وحتى تبقى أقلام الصحفيين حرةً ومستقلة، وليس عليها دَيْنٌ لأحد.
لا تسمع هذه الأيام في الرباط سوى أخبار صحفي اعتقل متلبسًا بتقاضي رشوة ألفَي درهم من برلماني سبق وهاجمه وهو برئ الى ان تثبت ادانته .
والأدهى والأمر أن زميلنا هذا قنوعٌ جدًا ومتواضع المطالب جدًا. وأنا لا أؤاخذه أبدًا، وأدعو الله أن يُفرِّج عنه بما قضى من سيرة بين الألسن ؛ لا الومه لأنه يرى ويسمع عن قُرب كيف باعت صحفٌ ومجلاتٌ ومواقعُ وتلفازاتٌ خطوطَها التحريرية للملياردير أخنوش وصحبه.
فلماذا لا يبيع هو شيئًا من كلماته التي لم يعد يقرأها أحد، ولو برُخص التراب؟
رأيتُ وسمعتُ صحفيًا يحمل ميكروفونًا لم أجد له تصنيفًا مهنيًا بعد ؛ يُنادي على فوزي لقجع لمّا نزل إلى ملعب التدريبات في نيوجيرسي ليطمئن على الفريق الوطني، فناداه (الزميل ) المنتحل صفة صحفي قائلًا: “آسي لقجع، تبارك الله عليك!”
رجاءً، لا تفضحونا أمام العالم. اتركوا عاهاتنا الصحفية شأنًا داخليًا ؛ نحن نعرف مبتدأها وخبرها، ونعرف من تسبب فيها، ونعرف من دفع ويدفع لها، لكي تصبح معول هدمٍ ليس فقط للجسم الصحفي، بل وللذوق العام.
رجاءً أيها الزملاء ؛ وفيكم صحفيون مهنيون يحترمون حرفتهم وقواعدها ؛ انزعوا عنكم قمصان المنتخب؛ أنتم هناك لنقل الخبر اولا ووضعنا في صورة ما يحدث بمهنية ، وليس لتشجيع الفريق. افحصوا كلماتكم وأسئلتكم، ودقِّقوا فيما تنقلونه للجمهور، واستحضروا التوازن في تغطياتكم، والبحثَ عن المعلومات التي تُغذّي الجمهور، والرأيَ والرأيَ الآخر ؛ لإضفاء أكبر قدر من العقلانية على لعبة عاطفية.
هذا لن ينقص من وطنيتكم، ولا من حبكم لبلدكم. اخرجوا من جلباب صحافة “ايش ايش ”، فهي تضر بسمعتكم كما تضر بسلامة الذوق الصحفي في بلادكم.
الالتزام الأول لكل صحفي هو الحقيقة،
والولاء الأول للصحفي هو للمهنة وقواعدها.
كان روبرت فيسك ؛ الصحفي ذو المصداقية الكبيرة، والمراسل الحربي البريطاني الذي غطّى جُلَّ حروب الشرق الأوسط، وأجرى ثلاث مقابلات مع بن لادن، وألَّف عدة كتب قبل رحيله سنة 2020 ؛ يقول:
“وظيفة الصحفي أن يكون شاهدًا على ما يحدث. لسنا هنا لنحمي أنفسنا، بل لنقترب قدر الإمكان من الحقيقة ونوصلها إلى الناس.”
-فقرة لا علاقة لها بما سبق
في إحدى اللقطات البديعة من فيلم The Post، الذي أخرجه ستيفن سبيلبرغ، وقام ببطولته توم هانكس وميريل ستريب، والذي يروي القصة الحقيقية لمعركة الصحافة الأمريكية ضد السلطة إثر نشر أوراق البنتاغون السرية عام 1971 التي تفضح تورط واشنطن في حرب فيتنام .
يسأل صحافي شاب داخل قاعة تحرير صحيفة واشنطن بوست رئيس التحرير الاسطوري بن برادلي Ben Bradlee :
– هل ما نقوم به، بنشر وثائق منعت المحكمة نشرها، عمل قانوني؟
فيرد بن برادلي:
– لا… إنه عمل غير قانوني، لكنه عمل أخلاقي. وهل تتصور يا بني أن كل ما نقوم به في الصحافة قانوني؟
ثم يحتدم النقاش بين محامي الجريدة، الذي يخشى على المؤسسة ومصالحها من نشر اوراق سرية لحرب تخوضها الدولة في الخارج ( فيتنام ) ، وبين رئيس التحرير، الذي يخشى على المهنة والحقيقة من رقابة السلطة .
المحامي:
إذا نشرتم هذه الوثائق، فلن يترككم نيكسون تفلتون من العقاب. المحكمة أوقفت النشر، وإذا تحديتم قرارها فقد تختفي جريدة واشنطن بوست إلى الأبد.
بن برادلي:
إذا أصبحت إدارة نيكسون هي التي تقرر ما يجوز نشره وما لا يجوز، فاعلم أن واشنطن بوست قد ماتت بالفعل. وحتى لو استمرت في الصدور، فلن تكون سوى صحيفة بلا روح.
(وأضيف من عندي: هناك فرق كبير بين الجريدة والمنشور؛ فالجريدة تكتب ما يجب أن يعرفه الناس، أما المنشور فيكتب ما يريد أصحاب النفوذ أن يقرأه الناس.)
المحامي:
ستتكبد الشركة خسائر فادحة. سيهرب المعلنون، وستفقد المؤسسة مئات الآلاف من الدولارات. الإعلان هو شريان الحياة لأي مقاولة صحافية، ويجب أن تضع ذلك في الحسبان يا رئيس التحرير .
بن برادلي:
على مالكة الجريدة أن تختار: بين الإعلام والإعلان، بين خدمة الحقيقة وخدمة السوق.
(وأضيف مرة أخرى: كم من مطبوعة ما تزال تُطبع كل صباح، لكنها توقفت منذ زمن عن ممارسة الصحافة. تصدر في موعدها، لكنها تصدر بلا روح، لأن الكلمة الأخيرة فيها ليست للصحافي، بل للمعلن.)
المحامي:
قد تواجه أنت وناشرة الجريدة تهمة ازدراء القضاء، وربما تدخلان السجن معا .
بن برادلي:
إذا كان ثمن المساهمة في وقف حرب ظالمة هو السجن، فإن البقاء خارج السجن يصبح هو الجريمة.
ربما لهذا السبب بقيت بعض الصحف في ذاكرة التاريخ، بينما اختفت أخرى رغم أموالها وإعلاناتها. فالصحافة لا تُقاس بعدد النسخ المباعة، بل بقدرتها على الدفاع عن حق الناس في المعرفة، حتى عندما يكون ثمن ذلك باهظاً…
.jpg)
منذ 1 ساعة
4







