ARTICLE AD BOX
جدعون ليفي: صورة تعذيب فلسطيني وهو مقيد شبه عار إلى عمود وعيناه معصوبتان تمثل أقصى درجات التجريد من الإنسانية
الإثنين 06 يوليو 2026 | 09:42
ما الذي يدفع شبابا إسرائيليين يخدمون في وحدة قتالية إلى تعذيب رجل بربطه إلى عمود؟ هل أساء إليهم بطريقة ما؟ إنه، في نهاية المطاف، في مثل سنهم. هل فكروا في حياته أو أحلامه؟ في ماضيه وحاضره ومستقبله؟
بهذه الأسئلة استهل الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي مقالا نشرته صحيفة هآرتس، يوم الأحد، عبّر فيه بمرارة عن ما وصفه بالإذلال والتعذيب الذي يتعرض له الفلسطينيون على أيدي جنود إسرائيليين.
وقال ليفي إن الرجل يظهر في الصورة مستلقيا بملابسه الداخلية، شبه عار، على بطنه، وعيناه معصوبتان بقطعة قماش، فيما يضغط وجهه على سرير نقال وضعه عليه آسروه. كما تبدو يداه موثقتين خلف ظهره بأربطة بلاستيكية محكمة، وجذعه مربوطا إلى السرير بالحبال، بينما تظهر كدمتان حمراوان على إحدى ساقيه.
وأضاف أن المشهد يبدو، حتى هذه اللحظة، مألوفا بالنسبة لأي فلسطيني محتجز، غير أن هذه المرة يضاف إليه عنصر غير مألوف: عمود خشبي ينتهي أحد طرفيه بقضيب حديدي، ثُبّت بمحاذاة جسد الضحية لسبب غير معروف، حتى بدا وكأنه رمح، مرجحا أن يكون الغرض منه منع الرجل من الانحناء ولو للحظة واحدة.
وأشار الكاتب إلى أنه ظن، للوهلة الأولى، أن الصورة عمل فني احتجاجي أو صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تجسد اليأس وسط الفظائع التي تشهدها غزة، قبل أن يتبين له أن الجيش الإسرائيلي أعلن أنه “حدد موقع الحادثة”، وأنها “قيد التحقيق على مستوى القيادة”، مؤكدا أن “التعامل مع المتورطين سيكون وفق نتائج التحقيق”.
وعلق ليفي على بيان الجيش بالقول إنه لا جدوى من إهدار الكلمات في توقع كيفية التعامل مع الجنود المتورطين، معتبرا أنه في أفضل الأحوال قد يُعلَّق عملهم لساعات، قبل أن يعودوا إلى ما وصفها بـ”الخدمة المهمة” في غزة.
وأضاف أن صورا أشد فظاعة نُشرت خلال الحرب، لكنها لم تبلغ، برأيه، مستوى الرعب الذي تعكسه هذه الصورة، لأنها تخلو من الدماء أو الأجساد الممزقة أو مظاهر العنف المباشر، وإنما تجسد، بحسب وصفه، أقصى درجات التجريد من الإنسانية وبث الرعب، من خلال صورة رجل مقيد إلى عمود، من دون أن يعرف أحد هويته.
وأوضح ليفي أن الصورة نشرتها كتيبة إسرائيلية متطرفة، هي “نيتسح يهودا”، لرجل فلسطيني احتجز في غزة، بينما سارعت وسائل إعلام إسرائيلية إلى وصفه بـ”الإرهابي”، كما يحدث، بحسب قوله، مع معظم الفلسطينيين في القطاع، من دون معرفة هويته أو ما إذا كان قد ارتكب أي فعل. وأضاف أن ذلك لا يغير من جوهر القضية، لأن “لا أحد يستحق هذه المعاملة المهينة”.
وتابع قائلا إنه لا يعرف كم من الوقت بقي الرجل على هذه الحال، ساعة أم أياما، لكن السؤال الأهم، في رأيه، هو ما الذي كان يدور في أذهان الجنود الذين نفذوا ذلك.
وأجاب بأن تصرفاتهم توحي بأنهم لا يشعرون بأي خجل، بل يفخرون بما فعلوه إلى درجة التقاط الصور ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنهم يقولون: “انظروا إلينا… نحن أبطال الشعب”.
وتساءل، بنبرة ساخرة، من أين جاءوا بذلك العمود، وما إذا كان هو نفسه الذي استخدمه جنود من “القوة 100” في معتقل سدي تيمان، في إشارة إلى قضية أثارت جدلا سابقا داخل إسرائيل.
كما تساءل عن الكيفية التي جرى بها تنفيذ ذلك، قائلا: هل أحضر أحدهم العمود؟ وهل قام آخر بتغليف طرفه بالحديد؟ ثم اقترح ثالث ربط الرجل إليه لأنه سيشكل “صورة رائعة” للنشر على الإنترنت؟ قبل أن ينفذ الجميع الفكرة.
وأضاف أن الجنود أحكموا ربط ضحيتهم العاجزة كما يُربط طرد بريدي من شركة أمازون، ثم أضافوا العمود باعتباره اللمسة الأخيرة، متخيلا أنهم ربما ضحكوا على المشهد، أو أرسلوا الصور عبر مكالمات الفيديو إلى صديقاتهم أو إلى آبائهم الذين قد يفخرون، بحسب تعبيره، بما يعتبرونه وطنية وشجاعة.
وحذر ليفي من أن الضحية ستبقى تحمل هذه التجربة في ذاكرتها طوال حياتها، وقد ترويها يوما لأبنائها وأحفادها، إذا نجت أصلا من المعتقل الذي اقتيدت إليه، إلى جانب عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم كثيرون يقول إنهم محتجزون من دون محاكمة.
واستعاد الكاتب حادثة تعود إلى 26 فبراير 1988، عندما صوّر فريق تابع لشبكة “سي بي إس نيوز”، بقيادة الصحفي بوب سيمون والمصور الإسرائيلي موشيه ألبرت، أربعة جنود إسرائيليين وهم يضربون شابين فلسطينيين بالحجارة ويكسرون ذراعيهما على تلة صخرية قرب نابلس، وهي صور التقطت من مسافة نحو 300 متر وأثارت آنذاك ضجة دولية واسعة.
وأشار إلى أن ردود الفعل لم تقتصر على الخارج، بل شهدت إسرائيل نفسها موجة غضب واستنكار كبيرة، متسائلا: “هل يمكن تصديق ذلك؟ لقد مرت قرابة أربعة عقود، ولم يثر مقتل ألف طفل في غزة القدر نفسه من الغضب الذي أثارته آنذاك حادثة تحطيم العظام على تلك التلة القاحلة قرب نابلس”.
واختتم ليفي مقاله بالقول إن صورة الرجل المقيد إلى عمود لم تُحدث في إسرائيل سوى أثر محدود يكاد لا يُذكر، مضيفا أن ذلك، في رأيه، “هو باختصار، قصة اليأس”.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







