ARTICLE AD BOX
ينشر موقع “لكم”، فيما يلي، ترجمة عربية لمقال رأي للكاتب والمحلل الأمريكي توماس فريدمان، أحد أبرز كتاب الشؤون الدولية في صحيفة «نيويورك تايمز»، نُشر بتاريخ 2 يونيو 2026 تحت عنوان: «ترامب فشل كقائد أعلى للقوات المسلحة».
يقدم فريدمان في هذا المقال قراءة نقدية حادة لأداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية، معتبراً أن سياساته الداخلية والخارجية تضعف تماسك الولايات المتحدة وتُقوض ثقة حلفائها التقليديين بها. ويستعرض الكاتب عدداً من الملفات المثيرة للجدل، من الحرب مع إيران إلى العلاقة مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي.
ويعبر المقال عن وجهة نظر صاحبه وعن النقاش الدائر داخل جزء من النخبة السياسية والإعلامية الأمريكية بشأن توجهات الإدارة الحالية. ننشر هذه الترجمة مع الحفاظ على مضمون النص الأصلي وأفكاره الأساسية.
فيما يلي نص المقال.
مع كل شهر يمضي من ولايته الرئاسية، يبدو دونالد ترامب أشبه بـ”القائد الأعلى للسرقة” منه بـ”القائد الأعلى للقوات المسلحة” في الولايات المتحدة.
كيف ذلك؟ دعوني أعدد الأسباب.
فالولايات المتحدة تخوض اليوم حرباً، فيما تنتشر عشرات الآلاف من قواتها بالقرب من إيران. وعادة، عندما تكون البلاد في حالة حرب، تكون الأولوية الداخلية الأولى للقائد الأعلى هي الحفاظ على وحدة الأمة. فلا شيء أكثر إحباطاً للجنود الأمريكيين الذين يقاتلون في الخارج من أن ينظروا إلى وطنهم فيجدوه ممزقاً من الداخل. كما أنه لا يوجد ما يشجع العدو على المماطلة وانتظار شروط أفضل لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة أكثر من رؤية الأمريكيين في حالة صراع فيما بينهم.
فكيف نهض ترامب بهذه المسؤولية التوحيدية؟ لم يفعل. لم يبذل أي جهد لاستقطاب الديمقراطيين خلف الحرب. وبدلاً من ذلك، تصرف كما لو كان “قائداً أعلى للسرقة”. ففي الوقت الذي كان يطلب فيه من الرجال والنساء في القوات المسلحة تقديم أغلى التضحيات، كان منخرطاً في محاولة سافرة للاستيلاء على أموال الخزانة الأمريكية لصالحه وصالح عائلته وحلفائه السياسيين، ومن بينهم ربما أولئك الذين هاجموا مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021. وكانت الخطوة فاضحة إلى درجة أن بعض أكثر الجمهوريين ولاءً له لم يستطيعوا الدفاع عنها.
فقد تواطأ ترامب مع وزارة العدل التي يرأسها محاميه الشخصي السابق لإنشاء صندوق سياسي بقيمة 1.776 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب، بزعم تعويض مؤيديه الذين “تعرضوا للاستهداف القضائي والتسييس” في عهد سلفه. لكن الحقيقة، كما أشارت هيئة تحرير هذه الصحيفة، أن هذا الصندوق كان سيكافئ الموالين المستعدين لانتهاك القانون وارتكاب أعمال عنف خدمةً للرئيس.
ولحسن الحظ، أوقف قاضٍ فيدرالي تنفيذ هذه الخطة مؤقتاً. ولم يصفها أحد أفضل من ميتش ماكونيل، الزعيم الجمهوري السابق للأغلبية في مجلس الشيوخ، حين قال: “هل يطلب أعلى مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد صندوقاً مالياً لتعويض أشخاص اعتدوا على رجال الشرطة؟ إنه أمر بالغ الحماقة وخاطئ أخلاقياً؛ اختر الوصف الذي تريده.” وأمام هذا الرفض الواسع، أعلن المدعي العام بالنيابة تود بلانش يوم الثلاثاء سحب المشروع.
ولو امتلك ترامب قدراً يسيراً من النزاهة، لكان وجّه الكونغرس إلى تخصيص هذا المبلغ نفسه، 1.776 مليار دولار، لدعم المدافعين الحقيقيين عن الحرية اليوم: الجيش الأوكراني. فهذا الجيش لا يواجه فقط محاولة فلاديمير بوتين سحق الديمقراطية الأوكرانية، بل يستنزف أيضاً قدرة روسيا على تهديد بقية الدول الحرة في أوروبا. الرحمة والتقدير لمقاتلي أوكرانيا.
لكن ترامب، على ما يبدو، يريد الأموال لأولئك الذين حاولوا تقويض الدستور الأمريكي في الداخل، لا لأولئك الذين يسعون إلى الاقتداء بالديمقراطية الدستورية الأمريكية في الخارج.
وفضلاً عن ذلك، أدرجت وزارة العدل، بتوجيه من ترامب، بهدوء وثيقة إضافية من صفحة واحدة ضمن اتفاق الصندوق المذكور، وقعها بلانش، تنص على أن الحكومة تُمنع إلى الأبد من ملاحقة أو متابعة أي مطالبات ضريبية معلقة ضد ترامب أو أفراد عائلته أو شركاته. وقد أكد بلانش يوم الثلاثاء أن هذا الإجراء لا يزال سارياً.
ولترامب لقب آخر يعكس مشكلاته الأخلاقية: “المتاجر الأعلى”، كما وصفتْه وكالة أسوشيتد برس مؤخراً. والسبب أن الرؤساء الأمريكيين اعتادوا الابتعاد عن التداول في أسهم الشركات التي يمكن لقراراتهم أن ترفع قيمتها أو تدمرها، لكن ترامب كسر هذا التقليد خلال الربع الأول من العام، منفذاً أكثر من 3600 عملية بيع وشراء، شملت شركات تأثرت أرباحها مباشرة بقراراته الحكومية.
ويعني ذلك معدل خمسين عملية تداول يومياً، بما في ذلك أسهم شركات تزود الجيش الأمريكي بالمعدات العسكرية وتتأثر بالحرب مع إيران. وقال ريتشارد بينتر، المستشار الأخلاقي السابق للبيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش، لوكالة أسوشيتد برس: “لو كان وزيراً للدفاع لكان يرتكب جريمة. صحيح أن القانون يسمح له تقنياً بذلك، لكنه يمثل خيانة جوهرية للثقة العامة.”
ولم يكتف ترامب بوقف معظم المساعدات المالية الأمريكية لأوكرانيا، بل بدأ أيضاً في تقليص الوجود العسكري الأمريكي داخل دول حلف شمال الأطلسي، في وقت يزداد فيه بوتين جرأة وهو يشعر بأن الحرب لا تسير لصالحه.
وفي الوقت الذي بدأ فيه الأمريكيون يدركون أن ترامب يتحول إلى مفترس داخل النظام السياسي الأمريكي، من خلال محاولة توظيف القضاء لتوفير الأموال لأنصار السادس من يناير ومنح نفسه وعائلته حصانة من التحقيقات الضريبية، بدأ حلفاء الولايات المتحدة يخلصون إلى أن أمريكا ترامب أصبحت مفترساً خطيراً بالنسبة لهم أيضاً.
بل إن شيئاً لم أكن أتصور أن أراه في حياتي يحدث اليوم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقيدة “الردع” في مواجهة الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، لمنع الكرملين من توسيع نفوذه بالقوة داخل العالم الحر أو إخضاع جيرانه.
أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك.
لقد شاهد الحلفاء ترامب يهدد بتحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، ويهدد بالاستيلاء على غرينلاند التابعة للدنمارك. وشاهدوه يبدأ حرباً مع إيران من دون التشاور مع حلف الناتو، ثم يطالب الحلف بمساعدته للخروج من المأزق الذي نشأ. كما شاهدوه يقلص المساعدات لأوكرانيا، ويضع المعتدي الروسي والضحية الأوكرانية على المستوى الأخلاقي نفسه، ثم يفرض رسوماً جمركية متهورة على جميع الحلفاء.
وبسبب كل ذلك، يحدث أمر غير مسبوق. فقد قال نادر موسافيزاده، الرئيس التنفيذي لشركة “ماكرو أدفايزوري بارتنرز” والمستشار السابق للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان: “إن ردع أمريكا ترامب أصبح اليوم أولوية استراتيجية لدى الحلفاء بقدر ما كان ردع روسيا في السابق.”
وكيف لا يكون الأمر كذلك؟ فعندما تنظر إلى الطريقة التي استهدف بها ترامب كندا بالرسوم الجمركية، يصعب ألا تستنتج أن أسوأ وضع يمكن أن تكون فيه أي دولة خلال ولاية ترامب الثانية هو أن تكون أقرب حليف للولايات المتحدة وأن تكون قد دمجت اقتصادها وأنظمة طاقتها وقدراتها العسكرية مع الولايات المتحدة. فالجميع بات يدرك، كما يقول موسافيزاده، أن ترامب مستعد لتحويل اعتماد أي دولة على أمريكا إلى أداة ضغط لانتزاع ما يريده وفق أكثر المفاهيم ضيقاً وبراغماتية للسلطة الأمريكية.
ولذلك ليس مستغرباً أن تعلن عدة دول أوروبية أعضاء في الناتو، من بينها ألمانيا والسويد وفرنسا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة، عن إرسال وحدات عسكرية صغيرة إلى غرينلاند دعماً للدنمارك بعد تصاعد حديث ترامب عن السيطرة على الجزيرة.
وأشار دانيال فريد، السفير الأمريكي السابق لدى بولندا، إلى أن هذه الدول حاولت تبرير الخطوة باعتبارات أمنية تتعلق بالقطب الشمالي، لكنها استخدمت أيضاً مفهوم “الردع”. وأضاف أن اضطرار الأوروبيين إلى التحدث عن ردع الولايات المتحدة، ولو بشكل غير مباشر، يمثل لحظة متدنية في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي، لكنه أصبح ضرورياً.
ولا ينبغي أن ننسى أن ترامب أجبر أوكرانيا في وقت سابق على منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى معادنها الاستراتيجية مقابل استمرار المساعدة الأمريكية في مواجهة الجيش الروسي. وهذا هو جوهر “عقيدة ترامب” الحقيقية: إذا عارضتَ أمريكا فسأفرض عليك الرسوم الجمركية، وإذا اعتمدتَ عليها فسأبتزك.
ومن ثم، فإن الرد العقلاني الوحيد أمام الحلفاء هو السعي إلى “الردع والتنويع”، بحسب موسافيزاده. وإذا استمر ترامب على هذا النهج طوال ولايته، فلن يستطيع أي قائد في الناتو مستقبلاً أن يوافق بمسؤولية على مستوى الاعتماد ذاته على التكنولوجيا الأمريكية أو أنظمة الدفاع الأمريكية أو النظام المالي الأمريكي الذي اعتادت عليه دول الحلف لعقود.
لقد أمضيت هذا الأسبوع في البرتغال، وصدمني حجم فقدان الثقة الذي يعبر عنه رجال الأعمال الأوروبيون تجاه المؤسسات الأمريكية وتجاه دور الولايات المتحدة كضامن للقواعد القانونية العالمية، وهو أمر كانوا يعتبرونه مسلّماً به دائماً. إنهم يشعرون فعلياً بالضياع، كمتنزهين فقدوا بوصلتهم.
وخلاصة القول إن وجود رئيس يتصرف كـ”قائد أعلى للسرقة” بدلاً من “قائد أعلى للقوات المسلحة” يكلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً في الداخل والخارج. فهذا الانحراف في وظيفة الرئاسة الأمريكية يقوض البنية التحالفية التي ساهمت في الانتصار في حربين عالميتين وفي الحرب الباردة، وأرست أحد أطول عصور السلام والازدهار في التاريخ الحديث. وكل يوم نتسامح فيه مع هذا السلوك نعرض مستقبل أبنائنا للخطر.
.jpg)
منذ 4 ساعات
2







