ARTICLE AD BOX
ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح في كل موسم انتخابي: لماذا تتكرر الوجوه ذاتها، وتتداول النخب نفسها، بينما يبقى الملايين خارج الفعل السياسي؟ والإجابة ليست في صناديق الاقتراع وحدها، بل في بنية نظام كامل تتشابك فيه الديموغرافيا والجغرافيا والمصالح والهويات.
آراء أخرى
السلوك الانتخابي في المغرب ظاهرة بالغة التعقيد، لا يمكن اختزالها في أرقام المشاركة أو نسب الفوز. إنه مرآة تعكس تناقضات مجتمع في طور التحول، مجتمع يحمل في أحشائه توترًا حقيقيًا بين شباب حضري واعٍ ومحبَط، وبنيات تقليدية راسخة تعيد إنتاج نفسها بمهارة وصمود.
إن أغلب المواطنين في المغرب يظلون خارج المشهد السياسي. إذ في الوقت الذي يبلغ فيه عدد المغاربة في سن التصويت ما بين 25 و26 مليون مواطن ومواطنة، لا يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 18 مليونًا، أي أن ما يقارب ثلث المواطنين المؤهلين للتصويت يقفون خارج الباب الأول من أبواب الديمقراطية، وفي مقدمتهم الشباب والحضريون والنساء في وضعيات هشة.
وفي الانتخابات التشريعية لسنة 2021، لم يُدلِ بأصواتهم سوى نحو 8 ملايين و777 ألف ناخب من أصل سبعة عشر مليونًا ونصف مسجل، أي بنسبة مشاركة لا تتجاوز 50%. وهذه الأرقام لا تُقرأ باعتبارها مجرد إحصاء، بل هي صرخة صامتة تحمل معنى سياسيًا عميقًا: المواطن يختار أحيانًا أن يتكلم بصمته.
ولا يتوزع العزوف بالتساوي، بل يتركز في المدن الكبرى، وبين الشباب، وبين فئة النساء المتعلمات اللواتي ينظرن إلى السياسة بعين ناقدة وقلب خائب. هذا الغياب الانتخابي ليس كسلًا ولا لامبالاة، بل هو في أغلب الأحيان رفض مستتر وموقف سياسي صامت.
وتظل خريطة التصويت بالمغرب متعددة الألوان. ففي البادية يُصوَّت بكثافة وانضباط، في ظل شبكات اجتماعية راسخة وأعيان نافذين يشكلون سلطة موازية للدولة. أما في المدن، فيهيمن الصمت والغياب، وتتصدر المشهد أجيال تؤمن بالتغيير لكنها لا تجد في السياسة المتاحة وعاءً لهذا الإيمان.
أما دوافع التصويت فمتعددة ومتباينة: ثمة من يصوت بحثًا عن خدمة أو فرصة، ومن يصوت عقابًا لحزب خذله، ومن يصوت استجابة لضغط اجتماعي أو عائلي، ومن يصوت دفاعًا عن الاستقرار، فيما لا يعدو تغيير الوجوه سوى تبديل الأقنعة. وبين هؤلاء جميعًا يبقى من يصوت بدافع القناعة والمبدأ، وهو رصيد لا يُستهان به رغم ضآلته.
ويحمل الحضور النسائي في المشهد الانتخابي تناقضًا صارخًا. ففي البادية تلتحق المرأة بالمسار الانتخابي في الغالب عبر دوائر العائلة والمحيط الاجتماعي، وهو حضور حقيقي لكنه مقيد في أحيان كثيرة. وفي المدينة تنمو صورة المرأة المتعلمة النشطة، التي باتت أكثر وعيًا ونقدًا، وأكثر بعدًا عن صناديق الاقتراع كلما ارتفع مستوى تعليمها وخاب ظنها في السياسة.
هذه الفجوة مؤلمة وخطيرة: فالمرأة ناخبة أساسية في المعادلة الانتخابية، لكنها لا تزال مغيبة إلى حد بعيد عن مواقع صنع القرار. يُقال إن السياسة تحتاج النساء، لكن النساء الأكثر قدرة وكفاءة يجدن الطريق موصدًا أو ملتويًا. وهذا التناقض بين الناخبة والفاعلة السياسية ليس حادثة عرضية، بل هو نتيجة منظومة بكاملها.
ولا يمكن قراءة السلوك الانتخابي في المغرب بمعزل عن الدور المحوري الذي تضطلع به الدولة. فوزارة الداخلية والسلطات المحلية لا تكتفي بتنظيم الاقتراع، بل تشكل معالم الميدان الذي تدور فيه المنافسة: فهي من تحدد دوائر الاقتراع، وتضبط اللوائح الانتخابية، وترسم الحدود القانونية التي تتحرك داخلها الأحزاب.
والتقسيم الانتخابي ليس مجرد إجراء تقني، بل هو قرار سياسي بامتياز. فتجزئة الدوائر تؤثر في هندسة الأصوات، وغالبًا ما تقوي السياسة المحلية على حساب الخطاب الوطني، وتؤثر في قدرة الأحزاب على بناء كتل تصويتية أيديولوجية متماسكة. والنتيجة: انتخابات تُفرز ممثلين محليين أكثر مما تُنتج قادة سياسيين.
وتعتبر السمة الأكثر استمرارية وتأثيرًا في الحياة الانتخابية المغربية هي هيمنة الأعيان وتكريس إعادة إنتاج النخب. ففي غياب أحزاب قوية قادرة على تأطير جماهيرها وبناء قاعدة أيديولوجية صلبة، وهو غياب يتجلى في أن نسبة الانخراط الحزبي الفعلي لا تتجاوز 3% من الناخبين، يتوجه صوت المواطن نحو الوجه المعروف والاسم الذي سمعه، نحو من يملك القدرة على توصيل الملف وحل المشكلة.
فيشكل الأعيان وسطاء النظام غير المعلنين. يمتلكون من الرصيد الاجتماعي والاقتصادي والعلائقي ما يجعلهم يتحولون، في نظر كثير من المواطنين، إلى جسر يصلهم بالدولة. والأحزاب من جهتها لا تتبنى هؤلاء لأنهم يحملون مشروعها، بل لأنهم يملكون شبكة زبونية جاهزة. فتصبح الانتخابات سوقًا لتبادل المصالح أكثر منها لحظة تعاقد ديمقراطي.
فتتحول السياسة إلى آلية ناعمة لإعادة توزيع النفوذ بين من يملكونه أصلًا، وليست مساحة للتجديد أو لإفراز نخب سياسية متجددة.
وتتحكم ثلاثة متغيرات في صناعة الخريطة الانتخابية: العمر، حيث يزداد التصويت مع التقدم في السن وتتراجع مشاركة الشباب بصورة لافتة؛ والجغرافيا، حيث تصوت البادية أكثر من المدينة رغم أن المدينة تحمل الثقل السكاني؛ والتعليم، إذ يكشف تناقض لافت أن ارتفاع مستوى التعليم يقلص ـ في أغلب الأحيان ـ الرغبة في التصويت، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الهوة بين الوعي السياسي والثقة في العملية السياسية.
ولا يمكن اليوم إغفال الأثر المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي في تشكيل السلوك الانتخابي بالمغرب. فقد تحولت هذه المنصات من فضاءات للتعبير والتواصل إلى فضاءات لصناعة الرأي العام والتأثير في المزاج السياسي. فهي تمنح الشباب، الذين يبتعد جزء كبير منهم عن الأطر الحزبية التقليدية، إمكانية الوصول السريع إلى المعلومة والنقاش والتعبئة، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام الأخبار المضللة والخطابات الشعبوية وصناعة صور سياسية مبنية أحيانًا على التأثير العاطفي أكثر من البرامج والمشاريع. كما يفرض الذكاء الاصطناعي تحولًا جديدًا في العلاقة بين المواطن والمعرفة السياسية، إذ أصبح الوصول إلى المعلومات وتحليلها وتفسيرها أكثر سهولة واتساعًا مما كان عليه في السابق. فالمواطن لم يعد مجرد متلقٍ للرسائل السياسية الجاهزة أو لما كانت تحتكره بعض الوسائط التقليدية، بل بات قادرًا على البحث والمقارنة والوصول إلى معطيات كانت أقل تداولًا أو أكثر صعوبة في الوصول. غير أن هذا الانفتاح يحمل بدوره مفارقة أخرى: فكما يمكن أن يساهم في بناء ناخب أكثر وعيًا وقدرة على التحليل، فإنه قد يضاعف أيضًا حجم المعلومات المتدفقة ويجعل التمييز بين المعرفة الدقيقة والمحتوى الموجه أو المضلل تحديًا حقيقيًا. وهكذا لم يعد الناخب يتشكل وعيه السياسي داخل الفضاءات التقليدية وحدها، بل أيضًا عبر الخوارزميات والتفاعلات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي التي قد تعيد رسم خرائط التأثير السياسي خلال السنوات المقبلة.
إن المغرب يحتضن اليوم مفارقة حادة: بلد يتجدد شبابه، وترتفع نسب تعليمه، وتنشط نساؤه، لكن صناديق الاقتراع تنتج في نهاية المطاف ممثلين أكبر سنًا وأعمق جذورًا في الشبكات التقليدية. هي ديمقراطيتان تسيران جنبًا إلى جنب دون أن تلتقيا: ديمقراطية المشاركة التي تحركها الضرورة والولاء، وديمقراطية الغياب التي تحركها خيبة الأمل والرفض الهادئ.
الخروج من هذا المأزق لا يكون بحملات التسجيل وحدها، ولا بخفض نسبة الأعيان في اللوائح فحسب. الأمر يتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، وهي مهمة شاقة تستدعي من الأحزاب أن تكون أحزابًا فعلًا، ومن الدولة أن تتيح مساحة حقيقية للتجديد، ومن النخب أن تفكر في الإرث الذي ستتركه لا في المقعد الذي ستحتله.
باحثة في علم الاجتماع وفاعلة سياسية ومدنية
.jpg)
منذ 1 ساعة
4







