ARTICLE AD BOX
في لحظة تاريخية ثقيلة تتقاطع فيها مئوية نفي الرئيس محمد بن عبد الكريم الخطابي مع مئوية سقوط جمهورية الريف، كان المنتظر من أي نشاط يقدم للرأي العام باعتباره مرتبطا بقضايا الريف أن يرتقي إلى مستوى الذاكرة والتاريخ والأسئلة الكبرى المفتوحة، لا أن يتحول إلى عرض سيرك بائس مرتبك ومثير للشفقة، تستعمل فيه الشعارات الضخمة لتغطية الفراغ الحقيقي، ويعاد عبره إنتاج الوهم نفسه الذي أرهق المشهد الريفي منذ سنوات: وهم التمثيل، ووهم الشرعية، ووهم “الدعم الدولي”، ووهم صناعة الحدث عبر منشورات فيسبوكية منفصلة تماماً عن الواقع في وقت مازال فيه قادة حراك الريف وعائلاتهم يعانون ويلات وجحيم الأحكام الانتقامية الجائرة.
آراء أخرى
ما جرى في مدريد يوم الجمعة 8 ماي المنصرم تحت اسم “مؤتمر دولي قبل إعلاميا أنه من تنظيم مايعرف في العالم الافتراضي ب جمعية ” الحزب الوطني الريفي ” لم يكن سوى صورة مقززة لهذا الانحطاط السياسي والفكري والأخلاقي الذي أصاب موجهي ومهندسي هذا البعبع الريفي من الجزائر.
والسعي لفرض أربعة عناصر كأوصياء على قضايا الذاكرة والتاريخ الريفي دون امتلاك أدنى امتداد شعبي داخل الريف أو حتى وسط الشتات الريفي العريض في أوروبا. لقد حاولت الآلة الدعائية التابعة لهذه الجمعية مع بعض اذرع الإعلام الجزائري الإرتزاقية تحويل لقاء محدود باهت الحضور والتأثير إلى “لحظة تاريخية”، بينما كانت الوقائع على الأرض تقول شيئا آخر تماما: قاعة شبه فارغة، حضور محدود لا يتجاوز بضع عشرات، غياب شبه كامل لأي شخصيات ريفية وازنة، وانحصار أغلب المشاركين داخل دائرة ضيقة من بقايا اليمين الشعبوي الإسباني وبعض المتقاعدين الباحثين عن أدوار سياسية وإعلامية متأخرة.
المثير للسخرية أن المنظمين اختاروا وصف هذا اللقاء بـ”المؤتمر الدولي”، وكأن مجرد حضور أجنبيين أو ثلاثة داخل قاعة صغيرة يكفي لتحويل أي نشاط إلى حدث دولي. فالمؤتمر الدولي في المعنى السياسي والأكاديمي ليس شعارا دعائيا، بل حدثا له وزن تمثيلي وفكري وإعلامي، تحضره وفود وشخصيات ومؤسسات وفاعلون حقيقيون، وينتح نقاشا وأثرا ووثائق ومواقف. أما أن يجتمع أقل من عشرين شخصاً داخل فضاء مغلق، أغلبهم من نفس الخلفية الضجيجية الهامشية، ثم يتم تقديم الأمر للرأي العام وكأنه تحول جيوسياسي تاريخي، فذلك لا يعكس سوى أزمة نفسية وسياسية عميقة يعيشها أصحاب هذه الجمعية الريفية الوظيفية المعروفة عند الريفيين باسم”ذاكاروط”.
لقد بدا واضحا أن الهدف الأساسي من اللقاء لم يكن فتح نقاش جدي حول مستقبل الريف ، ولا استحضار مئوية سقوط الجمهورية ونفي زعيمها وقادتها، ولا التفكير في كيفية إعادة بناء خطاب سياسي ريفي حديث ومستقل، بل كان مجرد محاولة لصناعة صورة إعلامية توحي بوجود “اعتراف أوروبي” بالقضية وتسويقها للطاشرون الاشهاري الحزائري بالقطعة ، ولهذا السبب تحديدا، أغرقت الصفحات التابعة للجمعية مواقع التواصل بسيل من التصريحات المنسوبة لبعض المشاركين الإسبان، خاصة الكاتب كارلوس باز والجنرال المتقاعد دييغو كاماتشو، دون تقديم أي تسجيلات كاملة وموثقة بالصوت والصورة تثبت صحة ما نُسب إليهم.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت هذه التصريحات بهذه الأهمية والخطورة التاريخية كما يدعون ، فلماذا لم تنشر كاملة؟ لماذا لا ينشر التسجيل الأصلي لكلمة الجنرال الإسباني وهو يدعي بوضوح إن الريف لم يكن جزءاً من المغرب وإن السلطان لم تكن له شرعية دينية أو سياسية داخل المنطقة؟ ولماذا لا ينشر فيديو واضح لكارلوس باز وهو يتحدث عن ما يصفها بـ “الجمهورية الريفية الديمقراطية المستقلة” باعتبارها مصلحة استراتيجية لإسبانيا؟ ولماذا يكتفي المنظمون بنصوص مكتوبة ومعاد صياغتها بطريقة دعائية أقرب إلى بيانات التعبئة السياسية منها إلى النقل الإعلامي المهني؟
التحدي هنا بسيط وواضح: انشروا التسجيلات الكاملة دون مونتاج، صوتا وصورة، ودعوا الناس تحكم بنفسها. أما الاكتفاء بمنشورات طويلة مليئة بالعبارات الرنانة دون أي توثيق حقيقي، فلا يمكن فهمه إلا باعتباره محاولة لصناعة بطولات وهمية عبر الفضاء الرقمي.
لكن ما هو أخطر بكثير من كل هذا التضخيم الدعائي هو طبيعة البيئة السياسية التي اختارت هذه الجمعية الارتماء داخلها. فالمتابع لأسماء المشاركين والخلفيات السياسية لبعض الداعمين يكتشف بسرعة أننا لا نتحدث عن قوى ديمقراطية تقدمية تحمل مشروعاً تحرريا إنسانيا، بل عن بقايا تيارات قومية وشعبوية إسبانية، بعضها يحمل حنينا واضحا لإرث الفرانكوية القديمة، أو يتحرك داخل فضاء سياسي لا يخفي عداءه للمهاجرين ولحركات التحرر الحقيقية.
وهنا تظهر المأساة السياسية والأخلاقية بكل وضوح. كيف يمكن لكيان يدعي الانتساب إلى مدرسة محمد بن عبد الكريم الخطابي أن يبحث عن الاعتراف والشرعية داخل أوساط ترتبط رمزيا وتاريخيا بنفس البيئة السياسية والعسكرية التي شاركت في قصف الريف بالغازات السامة؟ كيف يمكن الحديث عن “تحرير الريف” عبر بوابة جنرالات متقاعدين ينتمون إلى المؤسسة العسكرية الإسبانية التي لم تعتذر يوما عن جرائم الحرب الكيماوية؟ وكيف يمكن لمن يرفع شعارات التحرر والسيادة أن يتحول إلى مجرد ورقة داخل حسابات اليمين الإسباني المعادي للشعوب المغاربية والريف بشكل خاص لأسباب تتعلق بصراعات النفوذ والهجرة والحدود والطاقة؟
إن قضايا الريف المعاصرة المرتبطة بالدين التاريخي ليست أداة ابتزاز جيوسياسي، وليست ورقة ضغط داخل الصراع بين مدريد والرباط، وليست مشروعاً وظيفيا في يد أي جهة أجنبية. إنها قضية منطقة بكاملها وتاريخ وذاكرة جماعية وتجربة مقاومة استثنائية دفعت ثمنا دمويا في مواجهة الاستعمارين الإسباني والفرنسي واعوانهم كلهم . ولذلك فإن تحويلها إلى منصة للتقرب من أيتام جنرالات فرانكو لا يمثل فقط فضيحة سياسيات غير سابقة، بل سقوطا أخلاقيا كاملا.
غير أن الفضيحة الأكثر دلالة تبقى تلك المتعلقة بما تم تداوله حول الشروط التي فرضت داخل القاعة، وعلى رأسها عدم رفع صورة القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي وعدم وضع العلم الذي ارتبط بتاريخه حتى يشارك الجنرال الإسباني دييغو كاماتشو. وإذا كان هذا الأمر صحيحا، فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد تفصيل بروتوكولي صغير، بل عن إهانة تاريخية وسياسية تمس جوهر القضية نفسها.
ما معنى أن يمنع رفع صورة الخطابي داخل نشاط يفترض أنه يدافع عن الريف؟ ما معنى أن يستبعد العلم الذي يرمز إلى نضاله داخل لقاء يقدم باعتباره امتدادا لمشروعه النضالي؟ وأي منطق سياسي أو أخلاقي يسمح بالقبول بهذه الشروط المهينة فقط من أجل التقاط صور مع جنرال إسباني متقاعد؟
محمد بن عبد الكريم الخطابي ليس مجرد رمز فولكلوري قابل للحذف والإضافة حسب رغبة أيتام واحفاد جنرالات فرانكو . الخطابي هو جوهر الذاكرة التحررية الريفية، وعلم جمهوريته ليس قطعة قماش تخفى خجلا لإرضاء هذا الطرف أو ذاك. وعندما تقبل جمعية بالدخول إلى قاعة يمنع فيها حضور رموزه التاريخية، فإنه يعلن عمليا استعداده للتخلي عن جوهر القضية مقابل وهم ووعود الاعتراف الخارجي الزائفة.
لقد كان الأجدر بمنظمي اللقاء، إذا كانوا يمتلكون الحد الأدنى من الاحترام لذاكرة الريف، أن ينسحبوا فورا من أي نشاط تفرض فيه شروط تمس الرموز التاريخية للريف. لكن ما حدث يكشف أن هاجس الظهور الإعلامي كان أقوى من أي التزام أخلاقي أو تاريخي.
والأخطر من ذلك أن هذا اللقاء الباهت جاء في سياق تاريخي بالغ الحساسية. نحن لا نتحدث عن سنة عادية، بل عن مئوية سقوط نهاية حرب الريف ونفي قائدها التاريخي وكوادرها. وهي لحظة كان يفترض أن تطلق نقاشا فكريا وسياسيا عميقا حول تجربة هذه الحرب التحررية الفريدة من نوعها، وحول أسباب السقوط، وحول علاقة كل ذلك بالسياق الاستعماري العالمي، وحول مستقبل الذاكرة في القرن الحادي والعشرين. كان المنتظر مؤتمرات أكاديمية حقيقية، وندوات دولية جادة، وأبحاثا توثيقية، وإنتاجا ثقافيا وفنيا وسياسيا يليق بثقل المناسبة. لكن بدل ذلك، وجدنا أنفسنا أمام نشاط مرتبك محدود الحضور، جرى تضخيمه عبر الفيسبوك كما لو أنه حدث سيغير مجرى التاريخ.
إن أخطر ما تعيشه بعض هذه الكيانات اليوم هو انفصالها الكامل عن الواقع الاجتماعي والسياسي الريفي. لقد أصبحت سجينة “النضال الضجيجي الرقمي”، حيث يقاس النجاح بعدد المنشورات والصور والانفعالات، لا بمدى التأثير الحقيقي داخل المجتمع. وهكذا تحول الدفاع عن منطقة الريف، عند البعض، من مشروع نضالي يحتاج إلى تنظيم وفكر واستراتيجية وعمل طويل النفس، إلى مجرد مادة للاستهلاك الفيسبوكي وصناعة الأوهام.
والنتيجة هي هذا المشهد العبثي الذي نراه اليوم: تضخيم أي لقاء صغير، صناعة بطولات وهمية، الحديث باسم منطقة كاملة دون أي شرعية وحاضنة شعبية، والبحث المحموم عن الارتزاق الخارجي حتى ولو كان الثمن الارتماء داخل أحضان تيارات لا تؤمن أصلا بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
لقد كان الخطابي، رغم كل التعقيدات التاريخية، حريصا على استقلالية قراره السياسي، ولم يحوّل نضاله إلى أداة في يد أي قوة أجنبية. أما اليوم، فإن بعض الهواة السياسيين مستعدون لتحويل إرثه النضالي إلى مجرد ورقة داخل حسابات اليمين الإسباني أو صراعات أجهزة ومصالح إقليمية، ثم يطلبون من الناس تصديق أنهم يمثلون امتداداً لمدرسة الزعيم.
إن النضال من أجل منطقة الريف أكبر بكثير من هذه العروض المرتجلة، وأكبر من الجمعيات الورقية، وأكبر من الزعامات الوهمية التي تعيش على التضخيم الإعلامي. إنه نضال منطقة دفع سكانها ثمنا باهظا من الدم والمنفى والسجون والتهميش، ولا يمكن اختزالها في لقاءات هامشية تدار بعقلية العلاقات العامة الفقيرة.
ولعل أكبر مأساة في كل ما جرى هي هذا الابتذال المستمر لذاكرة الريف. فالريف ليس شعارا، وليس صورة تستعمل في البيانات، وليس بطاقة هوية سياسية توظف لبناء زعامات صغيرة. الريف ذاكرة مقاومة حقيقية، وجرح تاريخي مفتوح، وتجربة تحررية ألهمت حركات التحرر في العالم كله. وعندما تختزل هذه الذاكرة الثقيلة في نشاطات هزيلة تدار بعقلية الدعاية الرخيصة، فإننا لا نكون أمام عمل سياسي جاد، بل أمام عملية تشويه مستمرة لذاكرة شعب كامل.
لهذا فإن ما جرى في مدريد لا ينبغي النظر إليه باعتباره “فشلا تنظيميا” فقط، بل باعتباره مؤشرا على أزمة أعمق بكثير: أزمة مشروع، وأزمة مصداقية، وأزمة علاقة بالحقيقة والتاريخ والناس. فالقضايا العادلة لا تبنى بالكذب والمبالغة والتضخيم، ولا تبنى بالارتماء في أحضان من كانوا بالأمس جزءا من آلة القمع الاستعماري، ولا تبنى أيضا بإخفاء صور الخطابي ورموز حركته التحررية لإرضاء جنرال متقاعد أو كاتب يبحث عن دور إعلامي عابر.
الدفاع عن منطقة الريف يحتاج اليوم إلى شيء مختلف تماما: إلى عقل سياسي ناضج، إلى استقلالية حقيقية، إلى نقد ذاتي شجاع، إلى احترام الذكاء الجماعي الريفي، وإلى إعادة استنهاض ماضي التجربة النضالية وما يتوافق مع قضايا الراهن المشتركة للشعوب قوامها العدالة والكرامة والحرية بعيداً عن الشعبوية والاستعراض والانتهازية. وما عدا ذلك ليس سوى دوران عبثي داخل حلقة الوهم.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







