“القديد” يحافظ على حضوره في المائدة المغربية رغم تغير أنماط العيش ووسائل التخزين

منذ 1 ساعة 3
ARTICLE AD BOX

“القديد” يحافظ على حضوره في المائدة المغربية رغم تغير أنماط العيش ووسائل التخزين

الإثنين 01 يونيو 2026 | 15:33

مع انقضاء أيام عيد الأضحى وتراجع مظاهر الاحتفال المرتبطة بذبح الأضاحي وإعداد الأطباق التقليدية، تبدأ في عدد من البيوت المغربية مرحلة أخرى من الطقوس المرتبطة بالمناسبة، تتمثل في إعداد “القديد”، وهو لحم مجفف ومتبل يشكل أحد أقدم أساليب حفظ اللحوم في المغرب وأكثرها ارتباطا بالذاكرة الغذائية الجماعية.

وفي أسطح المنازل والشرفات والأفنية الداخلية، تُعلّق شرائح اللحم بعد تتبيلها بالملح والثوم والتوابل، لتخضع لعملية تجفيف طبيعية تعتمد على أشعة الشمس والهواء. وتعود هذه الممارسة إلى فترات سبقت انتشار وسائل التبريد الحديثة، حين شكلت وسيلة فعالة لتخزين اللحوم والمحافظة عليها لأشهر طويلة.

وتقول فاطمة، وهي ربة بيت من مدينة أكادير، إن إعداد القديد يظل جزءا أساسيا من طقوس العيد داخل العديد من الأسر المغربية. وتوضح أن هذه العادة توارثتها عن والدتها وجدتها، معتبرة أن نكهة القديد في أطباق الشتاء تعيد إلى الأذهان أجواء العيد وذكرياته.

ولا يقتصر حضور القديد على كونه وسيلة لحفظ الطعام، بل يرتبط أيضا بقيم التدبير المنزلي ونقل المعارف التقليدية بين الأجيال. فالأسر التي تحافظ على هذه الممارسة ترى فيها جزءا من تراثها الثقافي، حيث يتعلم الأبناء طرق إعداد المؤونة المنزلية وأساليب الاستفادة من الموارد الغذائية على المدى الطويل.

وفي السوق الأسبوعي بمنطقة بونعمان التابعة لإقليم تيزنيت، يشير الحسين، وهو جزار يمارس المهنة منذ عقود، إلى أن بعض الأسر تختار بعناية أجزاء معينة من الأضحية خصيصا لإعداد القديد، نظرا لملاءمتها لعملية التجفيف وجودة مذاقها بعد التخزين.

ويضيف أن القديد كان في الماضي ضرورة فرضتها محدودية وسائل الحفظ، لكنه تحول اليوم إلى منتج يجمع بين البعد العملي والحمولة الثقافية، إذ ما تزال أسر كثيرة تحرص على إعداده رغم توفر الثلاجات والمجمدات الحديثة، بحثا عن نكهة خاصة لا توفرها وسائل التخزين الأخرى.

وتبدأ عملية إعداد القديد عادة بتقطيع اللحم إلى شرائح رفيعة نسبيا، قبل تتبيلها بالملح والثوم ومزيج من التوابل، ثم تعليقها في أماكن جيدة التهوية ومشمسة إلى أن تفقد جزءا كبيرا من رطوبتها، ما يجعلها قابلة للتخزين والاستعمال على مدى أشهر في أطباق متنوعة، من بينها الكسكس والطواجن وبعض أطباق القطاني.

غير أن هذه العادة التقليدية تواجه تحديات مرتبطة بالتحولات المناخية ومتطلبات السلامة الغذائية، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال بعض الفترات من السنة، وما يرافق ذلك من ضرورة احترام شروط النظافة والتخزين السليم.

وفي هذا السياق، يؤكد عبد الله، وهو طبيب بيطري بمدينة أكادير، أن فعالية الطريقة التقليدية في حفظ اللحوم تبقى رهينة باحترام قواعد النظافة وحماية اللحم من الحشرات ومصادر التلوث المختلفة، فضلا عن اختيار ظروف مناسبة للتجفيف والتخزين.

وبالنسبة إلى كثير من المغاربة، يتجاوز القديد وظيفته الغذائية ليصبح جزءا من الذاكرة الشخصية والعائلية. ويقول أمين، وهو موظف في الثلاثينيات من عمره، إن القديد يرافقه حتى أثناء إقامته خارج المغرب، لما يحمله من ارتباط بالبيت والعائلة وذكريات المناسبات العائلية.

ورغم التغيرات المتسارعة التي تشهدها أنماط الاستهلاك وأساليب حفظ الأغذية، يواصل القديد حضوره في المطبخ المغربي باعتباره أحد عناصر التراث الغذائي المحلي. وبينما تتغير الوسائل والعادات، ما تزال هذه الممارسة تحافظ على مكانتها لدى فئات واسعة من الأسر، بوصفها تقليدا يجمع بين الحاجة العملية والبعد الثقافي، ويجسد استمرارية جانب من الذاكرة الجماعية المرتبطة بعيد الأضحى والمائدة المغربية.

المصدر