ARTICLE AD BOX
عبد الرحيم التوراني
الفراقشية الجدد.. الهراوة صارت كرافاطة!
الجمعة 05 يونيو 2026 | 20:52
اسمي..؟… لا يهم أن أذكر لكم اسمي… لا تهم بهذا الصدد الأسماء بقدر ما تهم الوقائع والأفعال.. الأوطان لا تبنيها الأسماء الرنانة في بطاقات الهوية، بل تصيغها الأيدي الماهرة التي تعرف من أين تُؤكل الكتف، أو بدقة أكثر: من أين تُساق البهيمة في عتمة الليل البهيم.
آراء أخرى
أنا سليل والد كان في شبابه الأول من عتاة سراق البهائم، أو ما يسمونهم في مأثورنا الشعبي بـ “الفراقشية”.. كان والدي رحمه الله وغفر له وجعله من أهل الجنة، فنانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يفك حظائر الماشية بأصابع حريرية لا توقظ كلبا ولا تزعج دجاجة.. فراقشي محترف، دخل وخرج من السجن مرات متتالية، ولم يكن السجن بالنسبة إليه سوى استراحة محارب أو دورة تدريبية لربط العلاقات العامة. لم يتب عن أفعاله إلا بعد أن راكم ثروة لا بأس منها، فالتوبة في قاموسنا هي مجرد إعلان عن الاكتفاء المالي.
حينها قرر الوالد أن يرتدي عباءة الوقار الوطني، تقدم إلى الانتخابات باسم حزب مخزني عتيد، ونجح بالطبع.. فمن يملك مهارة سوق القطعان ليلا، لن يعجز عن سوق الناخبين نهارا إلى صناديق الاقتراع.
تولى مهمة رئاسة جماعة قروية على مدى ولايات متتالية، فاستبدل سرقة النعاج بشرعنة الميزانيات. لكن الطموح قاتل.. خسر مرة لما ترشح للبرلمان، أصيبت نرجسيته بجرح غائر، ولم يعد للترشح بعدها لأنه لم يستسغ قط أن يتذوق مرارة الخسارة… مات وفي حلقه غصة من تلك النعاج الانتخابية التي خانته في العاصمة.
لما كبرت واشتد عودي ورأيت إرث الوالد السياسي يترنح، قررت أن أنتقم له وأستعيد شرف العائلة المهدور على عتبات قبة البرلمان. لم يخب ظني في آليات الديمقراطية المحلية.. توجهت مباشرة إلى المقر المركزي لأحد الأحزاب المعروفة واشتريت تزكية الترشح من أمين الحزب، بعملة نقدية صعبة وواضحة… لا داعي للتسمية هنا كما أسلفت، فمعظم الأحزاب دكاكين تبيع نفس البضاعة وإن اختلفت ألوان اليافطات.
ويا للمفارقة! تمكنت من ضمان كرسي وثيق في البرلمان، صرت نائبا عن الأمة، أشرّع للقوانين وأراقب الحكومة. أول ما قمت به فور إعلان النتائج، هو أني زرت المقبرة في الصباح الباكر، وقفت على قبر الوالد، نفضت الغبار عن الشاهد، وهمست له بنبرة مليئة بالفخر:
– لقد فعلتها يا أبي.. لقد انتقمت لك، وها أنا اليوم أجلس في المكان الذي طردتك منه الصناديق.. .
في تلك الليلة حدث ما لم يكن في الحسبان… زارني الوالد في المنام، لم يكن يرتدي كفنا، بل كان يرتدي جلبابا صوفيا فاخرا ويحمل في يده عصا الفراقشية الشهيرة، ووجهه يفيض بنور غريب، يشبه نور كشافات سيارات الشرطة… وقف عليّ وأوصاني وصية قطعت نياط قلبي:
– يا بني.. إياك أن تتخلى عن أصولك، ولا تنسى قط كيف وصلنا إلى هنا… إياك والتعالي الأكاديمي.. النيابة عن الأمة هي مجرد تطوير لمهنتنا القديمة.. والبرلمان حظيرة كبرى، فأحسن القيادة…
وكذلك فعلت.. قررت فورا الانتماء إلى تنظيم الفراقشية الجدد.. وهم قلة نخبویة لا تسرق الخراف من الحظائر الطينية، بل تتاجر في البهائم الكبيرة، صفقات العقار، الميزانيات الضخمة، والامتيازات، وفي البشر أيضا من خلال بيع الأوهام والمناصب.. وكان لي في هذا المضمار شأن عظيم.
لكن، وكما تعلمون.. “العين تدرك ما لا تدركه الأيدي”، فاحت ذات يوم رائحة صفقة مشبوهة قمت بإنجازها، فاندلعت فضيحة مدوية ملأت الأسماع وانتقدها الجميع في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. جرت المطالبة بفتح تحقيق، ولما طرحت القضية في ردهات البرلمان لتشكيل لجنة تقصي حقائق، تحركت الآلة السحرية… صوتت أغلبية الفرق البرلمانية بعدم تشكيل اللجنة، وطمس الملف بدم بارد. طبعا أنا والحزب العتيد الذي أنتمي إليه صوتنا بكل فخر ضد التحقيق، فكيف يحقق المرء مع نفسه؟
ربما كثيرون منكم الآن، وانطلاقا من فضولهم القاتل، يتنازلون عن معرفة اسمي الشخصي ولقبي، لكنهم يحترقون شوقا لمعرفة حزبي… أنصحهم من باب الشفقة بالعودة إلى لائحة التصويت الرسمية في أرشيف البرلمان.. فإنها تضم أسماء الأحزاب التي وقفت حائلا ضد إنشاء لجنة التحقيق… وأي حزب توقعتموه في مخيلتكم أو شتمتموه في مجالسكم.. فهو ذاك حزبي! فالكل في الهوى فراقشية.
أنا هنا لا أدافع عن نفسي، بل أُنظّر لمرحلة تاريخية جديدة. أتفق تماما وأؤيد من كتب وقال في المقالات السوداوية إننا نعيش زمن الفراقشية… لكنني أختلف معهم في النبرة الباكية. نعم الفراقشية هم الأصل، وهم قادة التغيير الفعليين. وسيكون من المفيد جدا، بل ومن الواجب الأكاديمي التأصيل لهذه السياسة العملية، والتنظير لها في كليات الحقوق والعلوم السياسية، والبحث العميق في أصول تسميتها وجذورها السوسيولوجية.
دعونا نتأمل الأمر بعمق فلسفي بعيدا عن الطهرانية الزائفة.. إنني أتوقع الكثير مما ستنتجه الظاهرة الفراقشية في المجتمع خلال السنوات القادمة، وليس كل إنتاجاتها سلبية كما يروج المثقفون النمطيون.
فلنعد إلى اللغة والتشريح: أصل كلمة “الفراقش” في لهجتنا هي قوائم الأغنام والأبقار أي أظلافها، وعليها تقف البهيمة وبها تسير، ومن دونها تسقط أرضا وتصبح جيفة لا تصلح لشيء… كذلك مجتمعنا العزيز، هو في حاجة ماسة لقوائم صلبة يقف عليها حتى لا ينهار أمام الأزمات الدولية والتقلبات الاقتصادية.
نحن الفراقشية الجدد تحت قبة البرلمان وفي كراسي المسؤولية، بصدد تطوير هذه القوائم المجتمعية وتمتينها، وإعادة هيكلتها وفق خطط استراتيجية مدروسة، لتتحول من مجرد أظلاف حيوانية إلى سواري صلبة وأعمدة إسمنتية هائلة، ترفع سقف الوطن عاليا.
قد يقول قائل إننا نسرق، ونحن نقول إننا نعيد توزيع الثروة بطرق ديناميكية مبتكرة… فما العيب في أن نقود القطيع، ما دام القطيع نفسه يشعر بالأمان طالما أن الحظيرة مغلقة، والراعي يملك عصاً غليظة، والفراقشي يعرف مصلحة الجميع؟
عاش زمن الفراقشية.. ولتذهب الأسماء إلى الجحيم، ما دامت القوائم صلبة.. والحظيرة مليئة بالخيرات!
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







