مشاركة المرأة في الجماعات الترابية بين رهانات التمكين وإكراهات العنف اللفظي

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

قمر عيدودي‎

مشاركة المرأة في الجماعات الترابية بين رهانات التمكين وإكراهات العنف اللفظي

الخميس 18 يونيو 2026 | 19:42

شهد المغرب خلال العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا في مجال تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام المحلي، وذلك انسجامًا مع مقتضيات دستور 2011 الذي كرس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال. وقد ساهمت الآليات القانونية، وعلى رأسها نظام الكوطا النسائية، في رفع نسبة تمثيلية النساء داخل المجالس الجماعية والجهوية، مما مكن العديد من الكفاءات النسائية من ولوج مجال التدبير الترابي والمساهمة في اتخاذ القرار المحلي.

آراء أخرى

  • "حكاية عائلة من الريف"، المغرب من مقاومة الاستعمار إلى ممانعة السلطة

  • منهجية السؤال الفلسفي الإشكالي المفتوح عند شفيق اكريكر

  • الكاتب الهجين وولادة نقد ما بعد الخوارزمية

غير أن هذا الحضور المتزايد للمرأة داخل الجماعات الترابية ما يزال يصطدم بجملة من التحديات والإكراهات التي تحد من فعالية مشاركتها، وفي مقدمتها ظاهرة العنف اللفظي والإعلامي والسياسي الذي تتعرض له من طرف بعض المنتخبين أو الفاعلين السياسيين أو حتى من بعض مكونات المجتمع.

ففي العديد من الحالات، تتحول الخلافات السياسية الطبيعية داخل المجالس المنتخبة إلى هجمات شخصية تستهدف المرأة المنتخبة بسبب جنسها أكثر مما تستهدف مواقفها أو قراراتها. ويتم اللجوء إلى السخرية أو التشهير أو التقليل من كفاءتها أو نشر الإشاعات حول حياتها الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، في محاولة لإضعاف حضورها وإخراجها من دائرة التأثير السياسي.

ولا يقف أثر هذا العنف عند حدود العمل السياسي فقط، بل يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والعائلية للمرأة المنتخبة. فالتعرض المستمر للإساءة اللفظية أو حملات التشهير قد يؤدي إلى الشعور بالضغط النفسي والقلق وفقدان الثقة بالنفس والإحباط، كما قد ينعكس سلبًا على علاقاتها الأسرية واستقرارها العائلي، خاصة عندما تصبح أسرتها وأبناؤها عرضة للتعليقات الجارحة أو الاستهداف غير المباشر.

كما أن النظرة المجتمعية التقليدية في بعض المناطق ما تزال تشكل عائقًا إضافيًا أمام المرأة المنتخبة، حيث يُنظر أحيانًا إلى انخراطها في العمل السياسي باعتباره خروجًا عن الأدوار النمطية المرسومة لها، وهو ما يجعلها تواجه ضغوطًا مضاعفة مقارنة بالرجل المنتخب الذي غالبًا ما يُقيَّم على أساس أدائه السياسي فقط.

إن استمرار هذه الممارسات لا يمس المرأة وحدها، بل يضر بالمسار الديمقراطي والتنمية المحلية ككل، لأن إقصاء النساء أو دفعهن إلى الانسحاب من العمل الجماعي يحرم الجماعات الترابية من كفاءات وخبرات ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة. لذلك أصبح من الضروري تعزيز الحماية القانونية للنساء المنتخبات، وتفعيل آليات التبليغ عن العنف السياسي ضد المرأة، وتشجيع الإعلام المسؤول على احترام أخلاقيات المهنة، إضافة إلى نشر ثقافة الحوار والاختلاف الديمقراطي داخل المؤسسات المنتخبة.

كما تبرز الحاجة إلى مواكبة نفسية وقانونية للنساء اللواتي يتعرضن لمختلف أشكال العنف السياسي، وإطلاق برامج للتكوين والتحسيس تستهدف المنتخبين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، بهدف ترسيخ قيم الاحترام والمساواة ومحاربة الصور النمطية المرتبطة بالمرأة في المجال العام.

وفي الختام، فإن تمكين المرأة من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن المحلي لا يقتصر على ضمان وصولها إلى مواقع المسؤولية، بل يتطلب أيضًا توفير بيئة سياسية واجتماعية سليمة وآمنة تحترم كرامتها وتحميها من كل أشكال العنف والإقصاء. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد النساء داخل المؤسسات فقط، بل بمدى قدرتهن على ممارسة أدوارهن بحرية وكرامة وفعالية خدمةً للوطن والمواطنين.

رئيسة جماعة الحوافات‎

المصدر