مأزق التموقع الإبستيمولوجي للسوسيولوجيا المغربية

منذ 11 ساعات 5
ARTICLE AD BOX

محمد مونشيح

مأزق التموقع الإبستيمولوجي للسوسيولوجيا المغربية

الجمعة 29 ماي 2026 | 10:43

رد نقدي على أطروحة الأستاذ جمال فزة حول “الإنسانيات الشعبية” وسؤال الموطن المؤسساتي 

آراء أخرى

  • محددات لفهم عمق الأزمة بين إيران وأمريكا

  • فاشيّة إسرائيل تفضح أوهاماً عن "ديمقراطيتها الأخلاقية"

  • تمغربيت والتنوع الثقافي

مقدمة: في دواعي السجال المعرفي

أثارت المداخلة الأكاديمية الأخيرة للأستاذ جمال فزة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، والمعنونة بـالعلم والمجتمع: من أجل التقريب بين المنظومتينأو «Pour des humanités populaires»، نقاشاً إبستيمولوجياً بالغ الأهمية حول مآلات السوسيولوجيا المغربية الراهنة.

انطلق فزة من مراجعة ذاتية شجاعة، معلناً هجرته الفكرية من الأطروحة الكلاسيكية التي كانت ترى فيكليات الحقوقالموطن الطبيعي للسوسيولوجيا، نحو تبني خياركليات الآدابكملجأ أخير للبحث عن المعنى المفقود في مواجهةتسليع المعرفةالنيوليبرالي ومقاومة أطروحةالملائمة التقنيةمع سوق الشغل (L’utilitarisme).

ورغم القيمة النقدية العالية التي تحملها صرخة فزة الأكاديمية، تفتح أفقاً ضرورياً، حتى لو كان مسارها ملتبسا، والتي أشاركه في الكثير من منطلقاتها الهادفة لحماية المعرفة، إلا أن قراءتي لبنية خطابه من منظور سوسيولوجيا المعرفة تكشف لي عن مفارقات إبستيمولوجية وتاريخية تستدعي مني إبداء بعض الملاحظات الأساسية.

إن الأطروحة التي قدمها الزميل فزة، على نبل مراميها، تقعفي تقديريفي فخالإسقاط النظري الكلاسيكي، وتتغافل عنالآفات البنيويةالتي جعلت السوسيولوجيا طريدة مؤسساتية في المغرب:

بنى جمال فزة افتراضه القديم (بأن كليات الحقوق هي موطن السوسيولوجيا) على إسقاط تعسفي السيرذاتي لتاريخ العلوم في أوروبا على واقع كليات الحقوق في المغرب. تاريخياً، ولدت السوسيولوجيا الأوروبية في حضن الفلسفة والتاريخ القانوني؛ فكان إيميل دوركايم وماكس فيبر وكارل ماركس رجالات قانون بالأساس. لكن نقل هذا الهيكل التنظيمي والإداري إلى المغرب بعد الاستقلال أنتج تشوهاً إبستيمولوجياً حاداً؛ إذ تم استيرادالإطار المؤسساتيوإفراغه من حمولته الفكرية النقدية.

وهنا وجب التنبيه من واقع المعايشة، إلى أن كليات الحقوق بالمغرب لم تكن يوماً بيئة حاضنة للسوسيولوجيا، بل أُصيبت مبكراً بآفةالنزعة الوضعية النصية العمياء” (Le Positivisme Juridique). لقد عاينّا كيف تحول التكوين فيها إلى آلية تبريرية جافة واجترار للنصوص وشرح للمساطر، بهدف تخريجحرفيين منفذين للقوانينيفتقرون لأي حس نقدي يربط النص بديناميات الصراع السوسيواقتصادي في الميدان. وبالتالي، فإنني أرى في تراجع فزة اليوم عن أطروحته اعترافاً متأخراً ببطلان افتراض بنيوي بُني على تمثل غربي مسقط لا يعكس واقع كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد.

في محاولته لفك التشنج بين النظري والتطبيقي، رفع فزة شعار كورت ليفين الشهير: «Il n’y a de pratique qu’une bonne théorie». بيد أن واقع الحال في التشكيلة الجامعية المغربية يثبتبلا مواربةأنالممارسة التطبيقيةجرى مسخها وتحويرها. فبينما يرى دوركايم في النظرية شرطاً للإصلاح العضوي وعلاجالأنومي” (Anomie)، يظهر لنا أنالتطبيقفي كليات الحقوق المغربية أصبح مرادفاً للامتثال وخدمة الدولة (Caméralisme) والتقنية الصماء. وهذا ما استحضره جمال فزة لأطروحة كروزييه الكلاسيكية للتأكيد علىأننا لا نغير المجتمع بمرسوم” («On ne change pas la société par décret»). إن إخفاق كليات الحقوق في إدماج السوسيولوجيا، وإخفاق كليات الآداب في التحرر من الانكفاء النخبوي، يرجعحسب قراءتيإلى أن البنية البيروقراطية للمؤسسة صُممت تاريخياً لتكون طاردة للممارسة العلمية المستقلة.

لعل أقوى حجة يمكنني الدفع بها لدحض التفاؤل المؤسساتي للأستاذ فزة هي العودة التاريخية لجيل الرواد والباحثين الشباب في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ أمثال: محمد طوزي، حسن رشيق، محمد ناجيإن تأمل مسارات هؤلاء الأعلام يفرض علينا الاعتراف بذكائهم الإبستيمولوجي؛ فهم لم يطوروا مشاريعهم كخيار مؤسساتي مستقر داخل كليات الحقوق، بل عبر ما أسميههروباً إبستيمولوجياًنحو عرابهم ومؤسس السوسيولوجيا الميدانية بالمغرب بول باسكون. لقد عاش هؤلاء الشباب آنذاك اغتراباً أكاديمياً حاداً داخل مدرجات كليات الحقوق حيث اصطدموا بالوضعانية في مواجهة أي سؤال نقدي، وهو الاغتراب الذي أدرك أبعاده جيداً؛ إذ دفعهم نحوالمخبأ الإبستيمولوجيلحاضنة باسكون بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة (IAV). هذهالملحمةالمعرفية تثبت لي بالدليل القاطع أن السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والتاريخ الاجتماعيفي كليات الحقوق لم تكن سوىانفلاتات فرديةوتسلل أكاديمي ” (Clandestinité Académique)؛ لكن سرعان ما عادت المؤسسة فوراً لإنتاجالنصية الوضعية الجافة، أو اجترار مقولاتالتقليدانيةبشكل فج.

يؤسس الأستاذ جمال فزة تبريره المعاصر للعودة إلى كلية الآداب على تحول براديغمات السوسيولوجيا العالمية نحو سوسيولوجياالمعنىوالرموز، معتبراً المعنى تخصصاً أدبياً صرفاً. بيد أن هذا التبرير، رغم وجاهته الظاهرية، يوقع الإبستيمولوجيافي نظريفي خلط حاد بينالمعنى السوسيولوجيوالمعنى الأدبي“. فالأدب ينشد المعنى عبر التخييل والاستعارة، أما في السوسيولوجيا، فإن المعنى ليس ترفاً لغوياً، بل هو بنية اجتماعية موضوعية ونظام سلطة. عندما أسس ماكس فيبر السوسيولوجيا الفهمية (Verstehen)، لم يدرس المعنى بوصفه نصاً شعرياً. لذا، فإنني أجد صعوبة في الرهان على كلية الآداب باحتضان هذا المعنى الذي يحمل في طياته خطرأدبنة السوسيولوجيا” (L’esthétisation de la sociologie). إن الإبستيمولوجية تفرض علينا التذكير بأن السوسيولوجيا المغربية لم تحرز مشروعيتها تاريخياً مع جيل الرواد إلا بالقطع مع الانطباعية الأدبية والسرد الاستعماري الكولونيالي.

هنا أصل إلى جوهر ردي على النقد الذاتي لجمال فزة؛ فإذا كان يطالب اليوم بنقل المعركة إلى كليات الآداب تحت لواءالإنسانيات الشعبية، فإن مقترحه هذا يصطدممن وجهة نظريبجذورالآفة المؤسساتيةذاتها. فكليات الآداب والعلوم الإنسانية بالمغرب تعاني بدورها من أزمات هيكلية لا تقل خطورة. ومن خلال موقعنا داخل كلية الحقوق، نرى بوضوح هذا المعطوب المزدوج: بقاء الانفصال بين السوسيولوجيين في كليات الآداب (الذين يجهلون الترسانة القانونية) وبين القانونيين في كليات الحقوق (الذين يجهلون ميكانيزمات المجتمع الميدانية).

خاتمة: من أجلبراكسيسسوسيولوجي متحرر من الأوهام المؤسساتية

بناء على ما تقدم، فإن تفاعلي مع الأستاذ جمال فزة يتلخص في فكرة أساسية: إن مشكلة السوسيولوجيا المغربية ليست مشكلةجغرافيا مؤسساتيةأو انتقال إداري من كلية إلى أخرى، بل هي مشكلةبرادايم معرفي مستقل وحر“.

وإذ راهن الزميل فزة على كليات الآداب كملاذ وحيد لإنتاجالمعنى، مستهدفاً من وراء هذا الخيار حماية الممارسة السوسيولوجية من الاختراق البيروقراطي النيوليبرالي، والقطع مع نزوع تسليع المعرفة، فإن المطلب الراهن ليس الانكفاء داخل أسوار كليات الآداب للاكتفاء بإنتاجإنسانيات شعبية نظيفة ونظرية، بل المطلوب هو استردادروح بول باسكون الميدانيةبعيداً عن الرومانسية المبالغ فيها؛ أي العودة إلى الـبراكسيس” (Praxis) السوسيولوجي المشبع بصرامةالحياد الأكسيولوجيلمواجهة الإسقاطات العاطفية.

المصدر