لماذا أميل إلى جواز الرقابة النظامية على حسابات ودائع هيئات المحامين؟

منذ 1 ساعة 3
ARTICLE AD BOX

محمد براو

لماذا أميل إلى جواز الرقابة النظامية على حسابات ودائع هيئات المحامين؟

السبت 04 يوليو 2026 | 09:46

في تقديري المبني على مبدإ الشك بشقيه العلمي والمهني على حد سواء، وبالاستناد لمبادئ الدستور وقواعد القانون العام المالي الداخلي، فإن هذا الجدل ليس بسيطًا، كما أنه من الخطإ الاعتقاد أنه ينطوي على أهمية ثانوية، لأنه يتعلق بمبدأين دستوريين مشروعين يبدوان مطروحين بشكل متقابل، وليس بوجود طرف “على صواب مطلق” والآخر “مجانب للصواب” على نحو محسوم.

آراء أخرى

  • عندما تصنع المصادفة سوسيولوجيا السياسة: جون واتربوري وتشريح المخزن المغربي

  • حديث الأرصفة

  • الرفيق الخمالي: وطنا يتوهج في جبهة الغياب

  1. استقلال مهنة المحاماة باعتبارها جزءًا من ضمانات المحاكمة العادلة.
  2. الشفافية وحماية أموال المتقاضين وإعلاء المصلحة العامة عندما يتعلق الأمر بودائع وأموال لا يملكها المحامي وإنما يحتفظ بها لحساب موكليه.

إن الرأي الذي “اهتديت إليه” بعد تأمل عميق وبدراسة مختلف المرافعات المضادة لرأيي المنشور في ثنايا تدويناتي الفايسبوكية حول الموضوع، وأوردته المنصة القانونية العربية المحترمة: “المفكرة القانونية”، وما أراه مبررا قانونيًا ودستوريًا هو موقف وسط بين الاتجاهين، مع ميل إلى جواز الرقابة النظامية من المجلس الأعلى للحسابات، بشرط أن تكون مضبوطة بضمانات صارمة.

لماذا؟

أولًا، حساب الودائع ليس مالًا خاصًا بالمحامي، بل هو أموال للموكلين أو للغير مودعة لدى الهيئة وفق نظام قانوني خاص. يدرجه الفقه المالي المقارن ضمن فئة “الأموال الخاصة المنظمة”، لذلك فالمشرع يستطيع -من حيث المبدأ-أن يقرر آليات رقابة إضافية لحماية هذه الأموال بما في ذلك إسناد هذه المهمة لجسم دولتي متخصص في الرقابة المالية هو المجلس الأعلى للحسابات، طبعا إذا رأى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك وهي في حالتنا ماثلة ومبررة بشكل فاقع في السياق المغربي المعروف بالإشكالات المتعلقة بالتصرف في أموال الموكلين.

ثانيًا، اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في الدستور يتعلق أساسًا بحماية المال العام، أجل، لكن المشرع قد يسند إليه مهمات رقابية استثنائية كما فعل منذ تأسيسه سنة 1979، ولا ضير في ذلك ولا مشكلة من حيث المبدإ، إذا تعلق الأمر بأوعية مالية ذات طبيعة خاصة وإذا نص القانون على ذلك بشكل واضح، بشرط ألا تتحول الرقابة عمليا إلى تدخل في استقلال المهنة أو في السر المهني.

في المقابل، اعتراض المحامين ليس بلا سند 

اعتراض الهيئات المهنية ليس بلا سند، لأن استقلال المحاماة ليس امتيازًا للمحامين، وإنما ضمانة للمتقاضين. فإذا كانت الرقابة ستسمح بالاطلاع على ملفات القضايا أو معرفة هوية الموكلين أو التأثير في عمل الهيئات وحريتها في اتخاذ قراراتها، هنا قد يثار بالفعل إشكال دستوري يتعلق باستقلال الدفاع والسر المهني.

أين يكمن الحل؟

في رأيي، إذا كانت رقابة المجلس الأعلى للحسابات ستقتصر على:

  • سلامة العمليات المالية.
  • مطابقة الإيداعات والسحوبات للقانون.
  • مراقبة الرصيد والفوائد والمحاسبة.
  • دون الاطلاع على مضمون الملفات أو الأسرار المهنية.

فإن هذه الرقابة المستندية والنظامية تبدو إلى الدستورية أقرب، بل في صميم المبادئ التأسيسية الواردة في ديباجة الدستور، لأنها تستهدف حماية أموال الغير وترسيخ الثقة العامة وحماية وتدعيم مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، وليس مراقبة نشاط المحامي المهني.

أما إذا امتدت الرقابة إلى تفاصيل العلاقة بين المحامي وموكله أو أصبحت وسيلة للتدخل في تدبير الهيئات، فإنها قد تتجاوز مبدأ التناسب وتمس باستقلال المهنة وفي هذه الحالة فقط قد تتجاوز الخط الأحمر الدستوري.

بخصوص منع الاقتطاعات

هذه النقطة ربما أكثر إثارة للجدل من الرقابة نفسها. فإذا كانت الاقتطاعات تتم من أموال الموكلين دون موافقة صريحة منهم، فمن الطبيعي أن يمنعها القانون. أما إذا كانت تتم بناءً على موافقة قانونية واضحة وبعد استيفاء حقوق الموكل، فالمسألة تحتاج إلى تنظيم دقيق أكثر من المنع المطلق.

خلاصة التقييم

أرى أن الأقرب من الناحية الدستورية والأرجح من منظور مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة هو قبول مبدإ إخضاع حسابات الودائع لرقابة مالية خارجية مستقلة من قبيل المجلس الأعلى للحسابات بوصفه جهازا قضائيا مستقلا ومتخصصا، بشرط أن تكون:

  • رقابة محاسبية فقط.
  • محددة بنص قانوني واضح.
  • متناسبة مع هدف حماية أموال المتقاضين.
  • مع احترام السر المهني واستقلال المحاماة.

وبالتالي، فإن الحجة التي تقول إن “أي رقابة من المجلس الأعلى للحسابات غير دستورية لمجرد أن الأموال خاصة” ليست عاملة قانونيًا، كما أن القول إن “الرقابة لا يمكن أن تمس الاستقلال مطلقًا” يبقى أمرا افتراضيا مشروطا بضمانات قانونية وواقعية.

فالعبرة في المحصلة ستكون بكيفية تطبيق النص وحدود هذه الرقابة، وليس بمبدإ التنصيص عليها أو بتكليف المجلس الأعلى للحسابات بوضع وتنزيل تفاصيلها التطبيقية.

 محمد براو، باحث ومحاضر وخبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد متخصص في قضاء المحاكم المالية

المصدر