أعاد الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة وإيران، أمس الثلاثاء خلط أوراق المشهد الإقليمي والدولي، بعدما وضع حدا للمواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية والنووية. ورغم أن الاتفاق يعد خطوة نحو الاستقرار، فإن قراءة متأنية لبنوده تكشف أنه أقرب إلى إطار سياسي لوقف التصعيد منه إلى تسوية نهائية للخلافات العميقة بين واشنطن وطهران.
ويقوم الاتفاق على وقف شامل للأعمال العسكرية وفتح مسار تفاوضي يمتد لستين يوما، مع التزام متبادل بعدم التصعيد واحترام سيادة الدول، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية والشروع في إجراءات لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة.
غير أن اللافت في الوثيقة هو أن الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل التخصيب وآليات الرقابة الدولية، لم تُحسم بشكل نهائي، بل أُرجئت إلى المفاوضات المقبلة. فبينما نص الاتفاق على التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، فإنه لم يتضمن إجراءات فورية لتفكيك المنشآت النووية أو إنهاء برنامج التخصيب، وهو ما أثار انتقادات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى متابعون أن إيران خرجت بمكاسب مباشرة وواضحة، تتمثل في تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من قدرتها على تصدير النفط والاستفادة من أصول مالية كانت مجمدة، فضلا عن إنهاء الحصار البحري وفتح آفاق لرفع تدريجي للعقوبات. كما أن طهران نجحت في الحفاظ على أوراقها التفاوضية الأساسية، إذ لم تقدم، في هذه المرحلة، تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي أو قدراتها الاستراتيجية.
في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية على أن وقف الحرب وتأمين الملاحة الدولية في الخليج والحصول على تعهد إيراني بعدم السعي إلى امتلاك السلاح النووي يمثل مكسباً سياسياً وأمنياً مهماً، خاصة في ظل المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وما قد يترتب عنها من اضطرابات اقتصادية عالمية.
وتبرز من خلال الاتفاق مفارقة أساسية؛ فالمكاسب الاقتصادية التي حصلت عليها إيران تبدو محددة وواضحة، بينما ما حصلت عليه الولايات المتحدة يرتبط أساساً بوعود والتزامات ستظل رهينة بنتائج المفاوضات المقبلة. لذلك يعتبر عدد من المراقبين أن طهران حققت، في هذه المرحلة على الأقل، تقدما دبلوماسيا مهماً، في حين اختارت واشنطن منح الأولوية لوقف الحرب واحتواء التوتر الإقليمي على أمل الوصول لاحقا إلى اتفاق أكثر شمولاً بشأن الملف النووي.
ويبقى مستقبل الاتفاق مرتبطاً بقدرة الطرفين على تجاوز القضايا المؤجلة، إذ إن نجاح المفاوضات المقبلة قد يفتح الباب أمام تسوية تاريخية، بينما قد يؤدي تعثرها إلى إعادة المنطقة إلى مربع التوتر والصراع، وإن كان هذه المرة تحت سقف تفاهم مؤقت أوقف الحرب ولم يحسم أسبابها العميقة.
.jpg)
منذ 2 ساعات
3







