في معنى تآكل الخطاب المؤسساتي:

منذ 2 ساعات 3
ARTICLE AD BOX

تحليل علمي لسجال أخنوش وبوانو

آراء أخرى

  • الدرس الإسباني.. جزيرة الالتزام وسط غرب ليبرالي متوحش

  • عقيدة الإنكار في السياسة.. هكذا تحولت حكومة أخنوش إلى "جهاز" لنفي الواقع

  • «دعه يبعبِع»… بعبعة الشارع

لم يكن السجال الذي دار داخل مجلس النواب بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش والنائب عبد الله بوانو مجرد لحظة توتر عابرة في جلسة مساءلة دورية، بل يعكس في عمقه تحوّلات أعمق في بنية الخطاب السياسي المغربي، خصوصاً في لحظة تتسم باقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد احتدام التنافس الحزبي. فبدل أن يظل البرلمان فضاءً لتقييم السياسات العمومية على أساس المعطيات والمؤشرات، بدا وكأنه يستعيد منطق المبارزة السياسية المباشرة، حيث تتقدم الشرعية الانتخابية والرمزية الحزبية على حساب التحليل المؤسساتي للسياسات.

هذا التحول لا يمكن فهمه خارج سياق ما يسميه علم السياسة بـ”تسييس الرقابة البرلمانية”، أي انتقال وظيفة السؤال البرلماني من كونه أداة لتجويد السياسات العمومية إلى كونه وسيلة لإعادة إنتاج الصراع السياسي أمام الرأي العام. في هذا الإطار، يصبح النقاش أقل ارتباطاً بتفاصيل السياسات وأكثر التصاقاً بصناعة الصورة السياسية لكل طرف.

منطق الدفاع الحكومي بين تبرير المنجز وتسييس الرد

جاء تدخل رئيس الحكومة في سياق دفاع واضح عن حصيلة حكومته، غير أن طبيعة هذا الدفاع اتخذت منحى يتجاوز التفسير التقني للسياسات نحو الاشتباك السياسي المباشر مع المعارضة. فقد تم التركيز على مؤشرات النمو الاقتصادي، وعلى الإشادة بأداء قطاعات معينة، مثل التعليم، إضافة إلى تقديم صورة عن توازن الأسواق خلال فترة عيد الأضحى.

غير أن الملاحظة الأساسية هنا لا تتعلق فقط بمضمون الرد، بل بطريقة بنائه الخطابي. إذ بدا أن جزءاً مهماً من الخطاب الحكومي انزاح من منطق “تفسير السياسات” إلى منطق “تفنيد الخصوم”، وهو تحول دقيق لكنه بالغ الدلالة في تحليل الخطاب السياسي. فعوض تقديم أجوبة مفصلة على الأسئلة المرتبطة بالسياسات العمومية، تم اللجوء إلى تذكير الخصم بسياقات انتخابية أو مؤسساتية سابقة، من قبيل الإشارة إلى “القاسم الانتخابي”، أو التلميح إلى خلفيات سياسية للنقاش.

في الأدبيات السياسية المقارنة، يُعتبر هذا النمط من الخطاب مؤشراً على ما يسمى “شخصنة المساءلة”، حيث يتم تحويل النقاش من مستوى السياسات إلى مستوى الأشخاص والاصطفافات، وهو ما يضعف القيمة التفسيرية للنقاش البرلماني، حتى وإن كان يرفع من حدته السياسية.

المعارضة البرلمانية بين الرقابة الموسعة وتفكك التركيز الرقابي

في المقابل، قدّم عبد الله بوانو خطاباً رقابياً حاداً، لكنه اتسم بما يمكن وصفه بـ”التوسيع الأفقي للملفات”، أي إدراج عدد كبير من القضايا في سياق واحد: من تدبير ملف الأضاحي، إلى صفقات قطاع التعليم، مروراً بدعم القمح، وصولاً إلى التعيينات الإدارية العليا وبعض القضايا ذات الطابع الاجتماعي والسياسي.

من الناحية الرقابية، يعكس هذا الأسلوب رغبة في إحاطة الأداء الحكومي بصورة شاملة، وإبراز ما تعتبره المعارضة اختلالات مترابطة في تدبير الشأن العام. غير أن هذا التوسع في الملفات، رغم وجاهته السياسية، يطرح إشكالاً منهجياً يتعلق بقدرة الخطاب الرقابي على الحفاظ على التركيز التحليلي لكل قضية على حدة.

فالرقابة البرلمانية الفعالة، وفق الأدبيات المؤسساتية، تقوم على التفصيل والتدقيق وليس على التراكم الكثيف للملفات. إذ إن إدراج قضايا متعددة في خطاب واحد قد يعزز الانطباع السياسي العام، لكنه يضعف القدرة على مساءلة كل ملف بمعايير تقنية دقيقة، ويحوّل الخطاب الرقابي إلى بناء تراكمي للإدانة أكثر من كونه تفكيكاً مؤسساتياً للسياسات. 

البلاغة السياسية بين الصراع الرمزي وإضعاف الوظيفة المؤسساتية

ما يميز هذا السجال بشكل خاص هو الحضور القوي للبلاغة السياسية في مقابل تراجع اللغة التقنية للسياسات العمومية. فقد استُعملت عبارات ذات حمولة رمزية عالية، سواء في خطاب رئيس الحكومة أو في تعقيب المعارضة، وهو ما يعكس انتقال النقاش من مستوى “ما الذي تم إنجازه؟” إلى مستوى “من يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية لتمثيل المواطنين؟”.

في هذا السياق، تصبح العبارات من قبيل التذكير بالشرعية الانتخابية، أو الطعن في خلفيات الخصم، أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة الرمزية داخل الفضاء العمومي. وهذا النمط من الخطاب معروف في العلوم السياسية تحت مفهوم”تسييل الخطاب البرلماني”، بمنطق إعادة توجيه البوصلة، حيث يفقد النقاش طابعه التقني لصالح منطق التأثير الإعلامي.

ويُلاحظ أن هذا التحول يرتبط بشكل وثيق بتزايد حضور الإعلام في نقل النقاشات البرلمانية، ما يجعل الخطاب موجهاً بشكل متزايد إلى الرأي العام خارج المؤسسة التشريعية، وليس فقط إلى آليات التقييم الداخلي للسياسات.

السياق الانتخابي وتآكل المسافة بين الحكومة والمعارضة

لا يمكن فصل هذا السجال عن السياق السياسي العام الذي يتسم باقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تميل كل من الحكومة والمعارضة إلى إعادة تموضعها في فضاء تنافسي مفتوح. في مثل هذه اللحظات، تتراجع المسافة التقليدية بين الخطاب المؤسساتي والخطاب الحزبي، وتصبح كل جلسة برلمانية بمثابة اختبار سياسي أمام الناخبين أكثر منها مناسبة تقنية للمساءلة.

في هذه الحالة، تتحول الحكومة إلى فاعل انتخابي يدافع عن حصيلته، بينما تتحول المعارضة إلى فاعل انتخابي يعيد بناء سردية النقد الشامل. هذا التداخل، وإن كان مفهوماً سياسياً، إلا أنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى إضعاف وظيفة البرلمان كجهاز مستقل لتقييم السياسات العمومية.

خلاصة تركيبية

يمكن القول إن سجال أخنوش–بوانو لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر حول قضايا محددة، بل يكشف عن تحول أعمق في طبيعة الخطاب السياسي داخل البرلمان. فبدل أن يكون النقاش محكوماً بمنطق الحكامة القائمة على التقييم والتعليل والمساءلة، أصبح محكوماً بشكل متزايد بمنطق التموقع السياسي والاستعداد الانتخابي المبكر.

وفي النهاية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في حدة السجال السياسي بحد ذاته، بل في احتمال تآكل الوظيفة التحليلية للمؤسسة البرلمانية لصالح منطق الصراع الرمزي، حيث تصبح السياسة أقرب إلى “مواجهة سرديات” منها إلى “تدبير عقلاني للسياسات العمومية”. ومع الأسف هذا الذي مافتئت أن حذرت منه المدونة الأخلاقية الثاوية في ثنايا الخطب الملكية الافتتاحية الموجهة لنواب الأمة على مر الدورات البرلمانية.

خبير دولي في الحكامة وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية

المصدر