ARTICLE AD BOX
بمناسبة مرور مئة عام على نهاية حرب الريف، نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، المعروفة برصانتها وتأثيرها في دوائر السياسة والفكر والعلاقات الدولية، مقالاً مطولاً يستعيد سيرة قائد المقاومة الريفية وإرثه السياسي والفكري، ويعيد طرح الأسئلة المرتبطة بمكانته في التاريخ المغربي المعاصر.
ولا يقتصر اهتمام المقال على استحضار أحداث الماضي، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة دلالات إرث الخطابي في الحاضر، وعلاقته بقضايا الدولة الوطنية والهوية والذاكرة السياسية في المغرب. وهو ما يثير التساؤل حول أسباب اختيار هذا الموضوع بالذات، وفي هذا التوقيت بالذات، من طرف مجلة دولية مرجعية تُعنى عادة بالتحولات الجيوسياسية والقضايا الاستراتيجية أكثر من اهتمامها بالسجالات التاريخية المحلية.
هل يتعلق الأمر بمجرد قراءة تاريخية في الذكرى المئوية لحرب الريف، أم أن استعادة شخصية عبد الكريم الخطابي اليوم تنطوي على رسائل أو رهانات تتجاوز البعد الأكاديمي والتأريخي؟ أسئلة يتركها المقال مفتوحة أمام القارئ، وهو ما يزيد من أهمية الاطلاع عليه ومناقشة مضامينه. و
تجدر الإشارة إلى أن النص الذي ننشره فيما يلي هو ترجمة عربية أنجزها موقع «لكم» للمقال الأصلي المنشور في مجلة «فورين بوليسي».
هنا نص المقال:
قبل مئة عام، في مثل هذا الأسبوع، استسلم محمد بن عبد الكريم الخطابي، المعروف باسم عبد الكريم، منهيًا بذلك تمرده الذي دام خمس سنوات ضد القوات الاستعمارية الإسبانية والفرنسية. في عام 1921، ومع اندلاع الحرب، كان عبد الكريم مجرد قاضٍ إقليمي في منطقة الريف شمال المغرب. وبحلول عام 1925، تصدّر غلاف مجلة تايم. ووصفته المقالة المصاحبة بأنه «رجل مهيب»، «ذو لحية كثيفة»، و«خبير بالمنطقة».
في غضون سنوات قليلة، دمّر عبد الكريم جيشًا قادمًا من إسبانيا، وأضعف معنويات جيش آخر من فرنسا، وأسس دولة قصيرة العمر عُرفت باسم جمهورية الريف. ونتيجة لذلك، تبنى مناهضو الاستعمار واليساريون في أوروبا والولايات المتحدة وأماكن أخرى قضية عبد الكريم.
في نهاية المطاف، لم ينجح عبد الكريم، أو مولاي محند كما عُرف في الريف، في تحرير وطنه. فبعد هزيمته على يد القوات الفرنسية، نُقل إلى المنفى في جزيرة لارينيون الفرنسية، واستقر في نهاية المطاف في القاهرة. ورغم أنه عاش قرابة أربعين عامًا أخرى، فإن قدم عبد الكريم لم تطأ أرض المغرب مجددًا.
بعد مرور قرن من الزمان، لم يُستقبل عبد الكريم استقبالًا لائقًا عند عودته الرمزية. ففي سفوح التلال شمال وسط المغرب، وعلى بُعد نحو 15 كيلومترًا من البحر الأبيض المتوسط، على طول الطريق المتعرج بين تمسمان وبن طيب، يوجد سور ذو بوابة احتفالية صغيرة. وفي الداخل، تُخلّد لوحة رخامية منحوتة ذكرى معركة أنوال في يوليو 1921، حيث نصب تحالف عبد الكريم من القوات القبلية كمينًا لحامية عسكرية إسبانية ودمّرها تدميرًا كاملًا.
اليوم، أصبح النصب التذكاري في أنوال مكانًا يعلوه الغبار. وتقول اللوحة المركزية، باللغة العربية: «أكدت المعركة إرادة الشعب المغربي في الدفاع عن أرضه وقيمه المقدسة ووحدته الوطنية». غير أن هذه الوحدة الوطنية لم تتحقق إلا بعد ثلاثين عامًا من استسلام عبد الكريم. ففي عام 1956، نال المغرب استقلاله عن فرنسا وإسبانيا، موحدًا المناطق الاستعمارية المتعددة تحت حكم السلطان، ثم الملك لاحقًا، محمد الخامس. واليوم، لا يزال حفيد محمد الخامس يحكم المغرب بأكمله. فهل كان هذا ما يسعى عبد الكريم إلى تحقيقه؟
تشير هذه اللوحة، بما تنطوي عليه من غموض، إلى التوتر الكامن حول إرث عبد الكريم. فبالنسبة لمعظم المغاربة، لا يزال رمزًا للوحدة الوطنية والمقاومة الصلبة في وجه الإمبريالية الأوروبية. لكن في الريف نفسه، وبين أبناء الشتات الناشطين في أوروبا، يمثّل عبد الكريم بديلًا للدولة الوطنية المغربية الحديثة التي لا يزال كثير من الريفيين يشعرون بالإقصاء من طرفها. وهذا أيضًا أحد أسباب استمرار النظام الملكي المغربي وحلفائه في إبقاء إرث عبد الكريم على مسافة من المجال العام.
وُلد عبد الكريم عام 1882 في أجدير، وهي بلدة صغيرة في جبال الريف تابعة لقبيلة آيت ورياغل، على بُعد كيلومترات قليلة من البحر الأبيض المتوسط. ورغم أن قلة من سكان الريف كانوا يجيدون القراءة والكتابة، فإن عبد الكريم كان ينتمي إلى عائلة مثقفة شغل أفرادها مناصب قضاة قبليين لسنوات طويلة.
يشير مصطلح «الريف» إلى سلسلة الجبال الوعرة الشاهقة التي تمتد بمحاذاة الساحل الشمالي للمغرب على البحر الأبيض المتوسط، وتصل في بعض المواقع إلى حافة البحر. ويتحدث معظم سكان الريف لهجة تاريفيت، وهي إحدى لهجات اللغة الأمازيغية. وفي الواقع، ورغم قرون من التعريب، لا تزال العربية لغة ثانية في معظم أنحاء المنطقة. وكانت جبال الريف منطقة فقيرة في أوائل القرن العشرين، حيث كان السكان المحليون يعيشون على الحقول الصغيرة وتربية الماعز وزراعة أشجار الزيتون والفواكه.
ولعل الأهم من ذلك أن جبال الريف لطالما اشتهرت بمقاومتها للسلطة المركزية. فقد كانت الثورات الصغيرة قصيرة الأمد شائعة في شمال المغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. واستغل كثير من الساخطين على العرش أو الطامحين إلى الحكم حالة الاستياء الشعبي من النفوذ الأوروبي المتزايد لشن ثورات واسعة ضد السلطان، اتخذ بعضها طابعًا دينيًا.
في عام 1912، وقّعت فرنسا معاهدة فاس مع السلطان المغربي عبد الحفيظ، مؤسِّسة بذلك الحماية الفرنسية على المغرب. وفي المقابل، سلّمت فرنسا السيطرة على الشمال إلى إسبانيا، التي أنشأت بدورها منطقة حمايتها الخاصة وعاصمتها تطوان.
تجنّد كل من عبد الكريم وشقيقه في بدايات الإدارة الاستعمارية الإسبانية. وكان عبد الكريم محررًا للنسخة العربية من صحيفة «إل تليغراما ديل ريف» الإسبانية الرسمية، التي استخدمها لاحقًا للتعبير عن معارضته للاستعمار الإسباني. ولهذا السبب، قضى قرابة عامين في السجن، حاول خلالهما الفرار دون جدوى، قبل أن يعود أخيرًا إلى قبيلته عام 1919.
في البداية، كان الحكم الإسباني غير منظم وضعيفًا. فبعد ما يقارب عقدًا من الحماية الإسبانية، لم يتمكن الإسبان من بسط سيطرتهم الفعلية على معظم المناطق الداخلية، واضطروا إلى حصر وجودهم على طول الساحل. لكنهم، في عام 1921، بذلوا جهدًا منسقًا لـ«تهدئة» جبال الريف. وبالنسبة لعبد الكريم، أتاح ذلك فرصة لتنفيذ معارضته الطويلة للحكم الإسباني.
أسس عبد الكريم تحالفًا من القوات القبلية المحلية، وشن هجومًا مباغتًا على موقع متقدم إسباني. وعندما حاولت القوات الإسبانية شن هجوم مضاد فاشل، نفدت مؤونتها، ما مكّن عبد الكريم من شن هجوم آخر على خط السكة الحديدية الإسباني. وردًا على ذلك، توغل الجيش الإسباني في جبال الريف وأقام معسكرًا في أنوال. وعندما حاصره جيش الريف، وجدت القوات الإسبانية نفسها في وضع يفوق قدرتها على الاحتمال، فقررت الانسحاب. وسرعان ما تحول الانسحاب إلى هزيمة ساحقة. وفرّ الإسبان في حالة من الفوضى نحو معقلهم الساحلي في مليلية، وطاردهم الريفيون، فأسروا أو قتلوا الآلاف منهم. وفي المجمل، قُتل ما لا يقل عن 15 ألف إسباني في المعركة وما أعقبها.
بعد ذلك، أعلن عبد الكريم قيام دولة مستقلة في الريف. وقد تعمد تسميتها جمهورية، لا إمارة ولا خلافة ولا إمبراطورية. وكان يدرك جيدًا أن التحدي الذي يواجهه يتمثل في توحيد القبائل المتنازعة تاريخيًا، وأن تحقيق ذلك يتطلب نظامًا جديدًا.
لم يطالب عبد الكريم قط باعتلاء العرش المغربي، ولم يشكك في شرعية السلطان مولاي يوسف المدعوم من فرنسا. كما أصر على أنه سيتنحى عن رئاسة الجمهورية عند انتهاء الحرب، ويسلم المنصب إلى شخص آخر. وفي الواقع، فإن هذا أحد الأسباب التي تجعل إرث جمهورية عبد الكريم غير مريح إلى حد ما بالنسبة للنظام الملكي المغربي، إذ يذكّر بوجود بدائل ممكنة للحكم الوراثي.
بعد إعلان الجمهورية، أمضى عبد الكريم معظم السنوات الثلاث التالية في محاولة بناء دولته الجديدة، ساعيًا في الوقت نفسه إلى الحصول على دعم من الخارج. وقد لاقت الثورة شعبية واسعة بين المغاربة، وواجه عبد الكريم ضغوطًا من القبائل داخل المنطقة الفرنسية ومحيطها لمهاجمة المواقع الفرنسية أيضًا. وقد فعل ذلك أخيرًا في أبريل 1925، محققًا نجاحًا أوليًا ملحوظًا، لكنه فتح في الوقت نفسه جبهة جديدة ضد قوة أجنبية أكثر قدرة بكثير.
أثار الهجوم الجديد حالة من الذعر في فرنسا. فقد أدرك هوبير ليوطي، كبير مسؤولي الحماية الفرنسية ومهندس المشروع الاستعماري الفرنسي في المغرب، الخطر المحتمل، وناشد باريس إرسال تعزيزات عسكرية. وبعد أن قللت العاصمة الفرنسية في البداية من شأن هذه المناشدات، تحركت لاحقًا بسرعة أكبر. وأُرسل فيليب بيتان، الملقب بـ«أسد فردان»، لقيادة مئات الآلاف من التعزيزات.
كانت تلك اللحظة التي حشدت فيها حرب الريف جمهورًا واسعًا من المتعاطفين حول العالم. فقد استقبل اليساريون في فرنسا بقلق بالغ أنباء قصف الطائرات الفرنسية للقرى الجبلية النائية، واستخدام القوات الإسبانية غاز الخردل ضد سكان الريف. أما التقارير المنشورة في الصحف والمجلات الأمريكية، فقد ساهمت في تحويل الرأي العام الأمريكي لصالح المتمردين الريفيين. وقام مراسلان أمريكيان، هما فنسنت شين وبول موورر، بتغطية الأحداث من الميدان، بل وأجريا مقابلات مع عبد الكريم نفسه.
وفي عام 1925، عاد الطيارون الأمريكيون أنفسهم الذين تطوعوا للقتال إلى جانب فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى ضمن سرب لافاييت، في مهمة أخرى أقل بطولية. وأُطلق عليهم اسم «السرب الشريف» إشارة إلى قتالهم نيابة عن السلطان مولاي يوسف، وقادوا غارات جوية ضد المتمردين في الريف. لكن السرب تفكك بعد أربعة أشهر فقط. كما نشرت الصحف الأمريكية تقارير عن قصفهم المكثف للمدنيين المغاربة، وهددت وزارة الخارجية الأمريكية الطيارين بسحب جنسيتهم بسبب مخالفتهم قانون الحياد لعام 1794.
في النهاية، اضطر الريفيون إلى القتال على جبهتين منفصلتين ضد إمبراطوريتين مختلفتين، وكانوا أقل عددًا بكثير من خصومهم، ولم يكن بإمكانهم تحقيق النصر. ورغم أن المؤشرات كانت واضحة في ربيع عام 1926، فإن عبد الكريم رفض شروط السلام الفرنسية والإسبانية وواصل القتال. وقد عبّر بيت شعري ريفي شهير من تلك الفترة عن ذلك قائلًا: «يا مولاي محند، احذر، فنحن سنموت».
في 27 مايو 1926، واجه عبد الكريم مصيره المحتوم. فاستسلم لفرنسا، معتقدًا أن إسبانيا كانت ستعامله بقسوة أكبر، ونُفي كما تعهد ألا يعود إلى المغرب إلا بعد طرد جميع الجيوش الأجنبية من أراضيه. غير أنه، حتى بعد استقلال البلاد عام 1956، ظل مقيمًا في مصر.
وكان رفض عبد الكريم العودة ينطوي على قدر من التوجس من أن الأسرة العلوية، العائلة المالكة في المغرب، لم تكن مستقلة استقلالًا كاملًا. ففي عام 1912، اعتلى السلطان مولاي يوسف، والد جد الملك الحالي محمد السادس، العرش بعد أن أجبر الفرنسيون أخاه عبد الحفيظ على التنازل عنه. ثم برز محمد الخامس لاحقًا بوصفه وطنيًا مناهضًا للاستعمار وذا حنكة سياسية، غير أن السياسة الاستعمارية الفرنسية ساهمت أيضًا في وصوله إلى السلطة. وكان عبد الكريم أكثر حذرًا من أن يشكك صراحة في شرعية الأسرة العلوية، لكنه أدان تقارب الحكومة المغربية مع القوى الأجنبية الساعية إلى استغلال ثروات البلاد.
في الواقع، استمرت حرب عبد الكريم بعد عام 1956. ففي أوائل الخمسينيات، ساهم من منفاه في تنظيم حرب عصابات مناهضة للاستعمار عُرفت باسم جيش التحرير. وفي البداية، هاجمت هذه القوة المصالح الفرنسية والإسبانية، لكن قدامى محاربي جيش التحرير الريفي انقلبوا، عام 1958، على الحكومة المغربية الجديدة بعد عامين فقط من الاستقلال. فاقتحموا مراكز الشرطة ومكاتب حزب الاستقلال، وهو الحزب القومي المحافظ الذي شكّل إحدى ركائز النخبة الحاكمة الجديدة. وكان الريفيون غاضبين من ضعف الاستثمارات العمومية ومن تعيين مسؤولين غير محليين في مناصب إدارية مهمة داخل المنطقة. ومن بين مطالب الثوار عودة عبد الكريم من منفاه. ومن جانبه، وجّه عبد الكريم سؤالًا حادًا إلى القيادة المغربية الجديدة: «هل أنتم حكومة أم عصابة؟».
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







