يعيش مجلس المنافسة على وقع فضحية بعد تعرض حسابه البنكي لدى الخزينة العامة للمملكة لعملية حجز، تنفيذاً لحكم قضائي في قضية أنصف فيها القضاء سيدة كانت تعمل مستشارة لدى المجلس لسنوات وتعرضت لتعسفات من المجلس.
وتتعلق القضية بدعوى رفعتها المستشارة المعنية منذ شهر غشت 2023، والتي كانت تشتغل إطارا عاليا بالمجلس منذ سنة 2009 بموجب عقود جرى تجديدها، كان آخرها عقد توظيف بتاريخ 2 يونيو 2019 كمستشارة لدى مجلس المنافسة. وقد واجهت المستشارة، حسب وثائق الملف قرارات تعسفية، بدأت بتغيير عقد عملها واتخاذ قرار بإعادة تعيينها في منصب آخر دون موافقتها، وهو منصب أدنى تابع للأمين العام للمجلس.
وقد لجأت السيدة إلى الطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية بالرباط، التي قررت إلغاء قرار رئيس مجلس المنافسة القاضي بتغيير عقد الموظفة. غير أن المجلس رفض تنفيذ الحكم القضائي، بل تحداه ولجأ إلى اتخاذ قرار بفسخ العقد المبرم مع المعنية بالأمر، انتقاما منها بسبب لجوئها إلى القضاء، لتبدأ بذلك محاكمة أخرى تتعلق بالطعن في قرار فسخ العقد والمطالبة بتعويضات عن الأضرار اللاحقة بها.
واستندت المحكمة إلى الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة للمتعاقدين، وإلى الفصل 263 من القانون نفسه الذي ينص على أن » كل إخلال بتنفيذ الالتزام يرتب المسؤولية ويوجب التعويض ». واعتبرت المحكمة أن النقل الإداري للمستشارة في مارس 2023 تم خارج بنود العقد الرابط بين الطرفين، كما اعتبرت فسخ العقد موجبا للتعويض.
ولم يكتف رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، بالإمتناع عن تنفيذ القرار القضائي الأول القاضي بإلغاء قرار نقل مستشارته من منصب إلى آخر، بل رفض أيضا تنفيذ حكم قضائي استئنافي يمنح تعويضا للموظفة بسبب الفسخ التعسفي للعقد، وهو ما دفعها، عن طريق دفاعها، إلى الحجز على الحساب البنكي للمجلس لدى الخزينة العامة بالرباط لاستخلاص مبلغ التعويض.
وفي رد فعل، عمد رئيس المجلس إلى الامتناع، للمرة الثانية، عن تنفيذ حكم نهائي صادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، محاولا الالتفاف على القانون من خلال طلب إيقاف التنفيذ أمام محكمة النقض، وهو الطلب الذي انتهى بالرفض.
وفي خطوة أخيرة، لجأ رئيس المؤسسة الدستورية إلى الطعن في الموضوع أمام الغرفة الإدارية لأعلى هيئة قضائية، لتنتهي المسطرة بتأييد الحكم لفائدة المستشارة السابقة لرئيس مجلس المنافسة.
وحسب مصدر مطلع، تطرح هذه القضية أسئلة جوهرية حول الحكامة داخل المؤسسات العمومية والدستورية، وحول مدى التزام المسؤولين الإداريين بمبدأ المشروعية الذي يشكل أحد أسس دولة القانون.
كما تعيد القضية حسب المصدر إلى الواجهة إشكالية طالما أثيرت، والمتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة، وهي الإشكالية التي أثيرت في خطاب ملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 14 أكتوبر 2016، حين قال: « كما أن المواطن يشتكي بكثرة من طول وتعقيد المساطر القضائية، ومن عدم تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة. فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟ »
ولا تقتصر أبعاد الملف على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى الجانب المالي أيضاً، إذ إن التعويضات المحكوم بها تؤدى في النهاية من المال العام، في حين يبقى النقاش مفتوحاً حول مسؤولية من تسببوا في النزاع الإداري من خلال قرارات قضت المحاكم بعدم مشروعيتها.
كما تشير مصادر إلى أن المستشارة المعنية، التي سبق لها أن اشتغلت مع عبد العالي بنعمور وإدريس الكراوي، الرئيسين السابقين للمجلس، تعرضت لسلسلة من المضايقات والضغوط النفسية والسب والقذف من طرف الأمين العام للمجلس، مما دفعها إلى مطالبة رئيسها المباشر، أحمد رحو، بالتدخل لوضع حد لما وصفته بالتحرش المعنوي والإساءات المتكررة.
غير أنها، بدل أن تحظى بالحماية اللازمة من هذه السلوكيات داخل مؤسسة دستورية، فوجئت بقرار تعيينها في منصب أدنى يتبع مباشرة لنفس الأمين العام. وقد تبين، بحسب المصادر ذاتها، أن الغرض من هذا الإجراء « كان إذلالها وتهميشها من خلال وضعها تحت سلطة الشخص نفسه الذي أساء إليها »، مستخدماً نعوتاً حاطة بالكرامة، في ظل غياب أي تدخل من رئيس المجلس لإنصافها.
وتضيف المصادر أن هذه القضية، التي كلفت ميزانية مجلس المنافسة ملايين الدراهم، تطرح إشكالية تحمل الدولة أداء مبالغ مالية ضخمة نتيجة شطط بعض مسؤوليها.
وسبق لمحمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن نبه إلى هذه الإشكالية، داعيا إلى إقرار جزاءات في حق المسؤولين الذين يتمادون في إصدار قرارات تعسفية تؤدي إلى نزاعات إدارية قال القضاء كلمته فيها، وكبدت الدولة أموالاً طائلة.
وخلال المناظرة الوطنية التي نظمتها الوكالة القضائية للمملكة في أبريل 2025، اعتبر بنعليلو أن التقديرات والاجتهادات الشخصية خارج الإطار القانوني لا يمكن اعتبارها إلا تجاوزا للسلطة وخرقاً لمبدأ الشرعية ومساساً بمبدأ الحياد الإداري، فضلا عن كونها تضعف ثقافة المسؤولية والمحاسبة داخل الإدارة. وأكد أن السماح بهذا النوع من السلوك على بعض المستويات يضعف الرقابة الداخلية ويشجع على انتشار الارتجال الإداري، بل ويشكل مساسا بالمصلحة العامة نفسها التي يفترض أن يؤطرها القانون، لا تقديرات أشخاص تتسبب في خسائر مالية للدولة وتضعف الثقة في أدائها.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







