عندما تصنع المصادفة سوسيولوجيا السياسة: جون واتربوري وتشريح المخزن المغربي

منذ 2 ساعات 4
ARTICLE AD BOX

محمد مونشيح

عندما تصنع المصادفة سوسيولوجيا السياسة: جون واتربوري وتشريح المخزن المغربي

الخميس 02 يوليو 2026 | 12:29

تنزع الأدبيات المنهجية الكلاسيكية، بنوع من الصرامة الأرثوذكسية، إلى تصوير البحث الأكاديمي كمسار خطي معزول؛ يبدأ بفرضية جامدة وينتهي ببرهنة كمية أو كيفية داخل مكاتب مغلقة. غير أن تاريخ العلوم الاجتماعية يقدم لنا رواية مختلفة تماماً؛ رواية تؤكد أن كبريات التحولات المعرفية ولدت من رحم “المصادفة الميدانية” والتفاعل الحي مع الطوارئ السياقية. لا نعني بالمصادفة هنا غياب العلم أو العبثية، بل هي تلك “اللحظة الارتدادية” التي تحوّل العائق الميداني إلى قفزة إبستمولوجية، بشرط أن يصطدم هذا الطارئ بعُدّة مفاهيمية مرنة، وحاسة رصد حادة لدى باحث يجيد التقاط التفاصيل الهامشية وإعادة تدويرها نظرياً.
وتكاد تجربة الأكاديمي الأمريكي جون واتربوري في المغرب (1965-1968) تلخص هذه الجدلية العميقة بين عناد الميدان ومرونة النظرية.

آراء أخرى

  • حديث الأرصفة

  • الرفيق الخمالي: وطنا يتوهج في جبهة الغياب

  • رسالة رقيقة للصحافة الرياضية

من اضطراب الخيار إلى حسم المسار

لم يكن اختيار واتربوري للمغرب ناتجا عن تخطيط استشراقي مسبق، بل كان وليد حيرة معرفية وسياسية محفوفة بالتوترات في منتصف الستينيات. كان الانجذاب الطبيعي يتجه أولاً صوب مصر، مدفوعاً بمعرفته بالمنطقة وإتقانه للعربية، بل ولروابط عائلية لزوجته “ماريان” بالقاهرة. لكن حسابات الحقل السياسي الناصري وعلاقته المتوترة بواشنطن جعلت من البحث في “النظام السياسي” مغامرة غير مأمونة العواقب على محيطه العائلي.

هذا الانزياح الاضطراري نحو رقعة دول المغارب -التي كانت حينها خارج المجهر الأنجلو-ساكسوني التقليدي- فتح الباب لـ “صدفة جغرافية” موجهة. هنا اشتغلت عين الباحث المُفاضِلة: استبعاد الجزائر لتعقيداتها الأمنية والسياسية الفتية عام 1964، وتجاوز تونس بسبب ما بدا له “ترويضاً” مؤسساتياً مفرطاً قد يحجب الديناميات الحية، ليستقر الخيار على المغرب بوصفه حقلاً مغرياً بالسيولة والغموض السياسي.

التقاليد المعرفية الكبرى كـ”مأزق مستثمر”

إن ارتهان واتربوري للمصادفة ليس استثناءً معزولاً؛ فإذا نظرنا إلى تاريخ الفكر الاجتماعي، سنجد أن أبرز كلاسيكياته قامت على “طوارئ مباغتة” حوّلت الاحتجاز والأزمة إلى فتح نظري عابر للتخصصات.

تذكرنا هذه الحيرة بما حدث مع فرديناند بروديل، الذي قبع في معتقلات النازيين لسنوات. هناك، وبعيداً عن أرشيفه ووثائقه التي تركها وراءه ليشتغل على تاريخ “فيليب الثاني”، فرضت عليه عزلته القاسية تحولاً جذرياً في الإشكالية؛ فبدلاً من الرهان على التاريخ الحدثي السياسي الضيق، انفتح ذهنه على حركة الجغرافيا والبيئة والمناخ، ليكتب مسودات أطروحته الكبرى من الذاكرة على دفاتر صغيرة، مولداً بذلك نظرية “الزمن الممتد” (La longue durée) او التاريخ الطويل الذي غير وجه الكتابة التاريخية.

يسير هذا التوليد المعرفي من رحم المأزق بالتوازي مع ما عاشه برونيسلاو مالينوفسكي، الذي تحول بسبب مصادفة جيوسياسية (كونه رعية نمساوياً على أرض بريطانية إبان الحرب العالمية الأولى) إلى منفي في جزر تروبريان. هذا الحصار الأمني قاده إلى الاندماج الكامل مع السكان، لينحت من قلب الإقامة الجبرية منهج “الملاحظة بالمشاركة”.

وفي سياق متصل، نجد أن الاختراق المعرفي لـ كليفورد جيرتز في بالي عام 1958 لم يتحقق إلا عبر مصادفة هروبه المشترك مع الأهالي أثناء مداهمة الشرطة لمباراة غير قانونية لـ”صراع الديكة”. تلك اللحظة الغريزية كسرت الجليد السيكولوجي وحولته من “مستعمر فوقي” إلى “واحد منهم”، مما أثمر مفهومه الشهير عن “الوصف الكثيف” أو المكثف. وهو نفس الميكانيزم الذي جعل ويليام فووت وايت يخترق بنية العصابات والمهمشين في بوسطن، عبر لقاء عابر ومصادفة محضة بشاب من أبناء الحي يُدعى “دوك”، بعد أن كاد هندام وايت الرسمي يتسبب في طرده واتهامه بالعمالة.

صدمة “حالة الاستثناء” وعقدة البرلمان المشلول

تظهر النجاعة الإجرائية للتخلي عن “البكاء المنهجي” على فرضيات المكتب بمجرد وصول واتربوري إلى المغرب في سبتمبر 1965. كان الباحث يحمل عُدّة كلاسيكية مخصصة لدراسة “الحياة البرلمانية في المغرب”، لكن الميدان باغته فوراً بإعلان حالة الاستثناء وتجميد البرلمان.
من منظور باحث تقليدي، يمثل حل البرلمان “موت موضوع البحث” وإيذاناً بالفشل المنهجي. أما عند واتربوري، فقد كان تحطم الفرضية الأولى هو لحظة الحقيقة العلمية. أدرك بمرونة إبستمولوجية عالية أن اختفاء الواجهة الدستورية الصورية هو فرصة للمكاشفة تضعه “وجهاً لوجه مع المخزن”؛ فبدلاً من دراسة مؤسسات تمثيلية هشة، اتجه لتشريح بنية السلطة التقليدية الحية وآليات اشتغالها عبر شبكات الولاء والزبونية والمصاهرة.

الحظ الميداني والقدرة على “الالتقاط”

لم تتوقف المصادفة عند العتبة السياسية، بل امتدت لتشمل “الحقل العلمي” المحيط بواتربوري آنذاك. لقد تزامن وجوده مع تشكّل مختبر سوسيولوجي مفتوح في مغرب الستينيات، ضم أسماء وازنة كغيلنر، وجيرتز، وباسكون، والخطيبي، وحمودي، والمرنيسي، ولوفو…
في هذا الزخم، ظهرت قدرة واتربوري على “الحوار المفهومي”؛ فلم يكن مجرد ناقل، بل استثمر “النظرية الانقسامية” التي صاغها إرنست غيلنر لدراسة القبائل في الأطلس، ونقلها بجسارة إلى الفضاء الحضري ونخب المدينة. التقط تفاصيل الانشقاقات والنزاعات الداخلية للأحزاب (كالاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية) ليفهم السلوك السياسي المغربي باعتباره صراعاً فئوياً محكوماً بمنطق الولاءات الفردية والخيارات الإقصائية، وليس بالإيديولوجيات المكتوبة والبرامج الجاهزة.

كملت هذه العُدّة المنهجية قدرة لغوية لافتة ومصادفة قادته للتعرف على الصحفي “جون كولي”، الذي فتح له أبواب النخبة المعارضة (عبد الرحمن اليوسفي) والإعلامية (أندريه أزولاي) منذ أيام وصوله الأولى. هذا النفاذ السريع، مدعوماً بحياد الأجنبي وبساطة النخبة الشابة آنذاك، مكّنه من صياغة “وثيقة سوسيوسياسية” حية عبر مئات المقابلات. كان واتربوري يقرأ الرموز؛ فالنكتة السياسية، وسلوك التوقير الممزوج بالانتقاد، والقصص الشفهية، لم تكن هوامش، بل مؤشرات سيميائية صاغ منها الهيكل التحليلي لكتابه المرجع: “أمير المؤمنين: النخبة السياسية المغربية”.

إن تجربة جون واتربوري تعيد تنبيهنا إلى حقيقة معرفية أساسية: إن “الصدفة” في البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية ليست تبريراً للتواكل والاستسلام والبكاء، بل هي مكافأة لا تبتسم إلا للعقول اليقظة والمسلحة بالدربة والمنهج. العِبرة تكمن في جسارة التخلي الفوري عن الفرضيات الميتة، والانخراط الشجاع في طوارئ الميدان وسياقاته المتقلبة.

ملحوظة: تم الاعتماد في استقاء المعطيات البيوغرافية والسياقية لواتربوري على الحوار الهام الذي أجراه معه المؤرخ المعطي منجب والمنشور بمجلة “زمان”.

المصدر