علي المرابط.. عندما تتحول الصحافة الساخرة إلى “إنذار مبكر” يزعج السلطة!

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

طارق ليساوي

علي المرابط.. عندما تتحول الصحافة الساخرة إلى "إنذار مبكر" يزعج السلطة!

الخميس 16 يوليو 2026 | 20:29

تقتضي القراءة الأكاديمية والسياسية الباردة للأزمات المركبة التي تواجه الدول المعاصرة ألا ننظر إلى الأحداث كجزئيات معزولة، بل كظواهر دالة على بنية نسقية متكاملة تحتاج إلى التفكيك والتحليل المستقل. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش العلمي حول حدود الفضاء العام، وآليات تدبير النقد في المشهد السياسي والحقوقي المغربي -والذي تبرز فيه قضايا توقيف ومتابعة بعض النشطاء الإعلاميين والحقوقيين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ محمد زيان أو الصحفي علي المرابط الذي عُرف تاريخياً بتأسيسه لمنابر إعلامية ذات سقف نقدي مرتفع- يفتح الباب أمام تساؤلات بنيوية حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمقاربات الأمنية من جهة، والحاجة إلى التقييم والمراجعة من جهة أخرى.

آراء أخرى

  • الأدب المغربي: الشفاهة والكتابة

  • عندما تنتصر إرادة العقل والحكمة في قضية المرابط

  • مشكلة المنتخب سياسية أكثر منها رياضية

إن الأطروحة الجوهرية التي يسعى هذا المقال إلى معالجتها من منظور الاقتصاد السياسي وعلم اجتماع الدولة، تؤكد أن استدامة النظم والمجتمعات لا ترتبط فقط بحجم الموارد التنموية المتاحة، بل بمدى مرونة “البنية المؤسساتية” وقدرتها على استيعاب الرأي الآخر، وإدراك أن النقد الصادق والمستقل يُمثل في كثير من الأحيان صمام أمان وأداة تقويم موضوعية تحمي السياسات العامة من الاستمرار في مسارات قد لا تحقق الأهداف التنموية المنشودة.

علي المرابط

إن التوقيفات والملاحقات الأخيرة التي طالت عدداً من الفاعلين، تنقلنا مباشرة من مربع النقاش النظري إلى مربع الرصد التوثيقي المبني على مؤشرات كمية ونوعية صادرة عن هيئات وطنية ودولية. وعند تصفح هذه التقارير، يبرز حدث توقيف الصحفي علي المرابط بمطار طنجة كحالة دالة حركت سواكن الإعلام الإقليمي، حيث أفردت الصحافة الإسبانية حيزاً هاماً لمناقشة هذا الاعتقال عبر تقارير وتغريدات لإعلاميين بارزين مثل “إغناسيو سمبريرو”، معتبرة إياه مؤشراً على تراجع هوامش التعبير ومحاولة لتطويق قلم طالما اتسمت خلفيته الفكرية بالجرأة البنيوية والنقد الساخر والمباشر لآليات تدبير الثروة وصناعة القرار. إن هذا الحدث يتجاوز لغة السجال اليومي ليفكك ظاهرة “تطويق الهوامش”؛ حيث يشير مؤشر حرية الصحافة العالمي بانتظام إلى تراجع ترتيب المغرب بفعل تزايد الملاحقات القضائية التي تتخذ طابعاً غير صحفي عبر الانتقال من قانون الصحافة إلى القانون الجنائي. وفي المقابل، تسجل التقارير الوطنية الصادرة عن مؤسسات دستورية رسمية، كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، حاجة بنيوية ملحة لملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، والتنبيه إلى كلفة الاعتقال الاحتياطي في قضايا الرأي والتعبير الرقمي. هذا التقاطع بين الرصدين الداخلي والخارجي يوضح أن المشكلة ليست عابرة، بل تعكس توجهاً تدبيرياً يفضل الاحتواء السريع للأصوات الناقدة عوض الانفتاح عليها كشريك في صياغة الحلول التنموية وتصحيح المخططات العامة.

سيكولوجية الإنكار

في أدبيات الاقتصاد السياسي، تُجمع المدارس التحليلية على أن النظم المؤسساتية تمر بثلاث محطات رئيسية عند مواجهة التحديات الهيكلية: الانكار، ثم الصدمة، ثم المراجعة. والفرق الحاسم بين كفاءة النظم يكمن في سرعة الانتقال نحو محطة المراجعة الشجاعة والموضوعية، وتفادي البقاء الطويل في مرحلة الرفض والتبرير. وحين يطغى منطق الضبط الأمني كأداة رئيسية لتدبير الشأن العام، وتتراجع هوامش النقاش المفتوح، فإن الإدارة التنموية تقع حتماً في حالة من “الإنكار الممنهج”، حيث يتم التركيز على تحقيق استقرار ظاهري ولحظي، في حين أن المعضلات الهيكلية تتفاعل بصمت تحت السطح دون علاج حقيقي. ويتم تصوير النقد الاقتصادي أو الحقوقي كنوع من التشويش أو الاستهداف الخارجي، مما يؤدي إلى عزل صُنّاع القرار عن الواقع الحقيقي للمجتمع والمؤشرات الفعلية للأسواق، فتستمر الاختلالات في النمو والاتساع خلف ستار الاستقرار المصطنع.

السد المشقوق

وهنا تحضرني المفارقة التاريخية لقصة “السد المشقوق”؛ حيث ظهر شق بسيط في سد قديم يحمي مدينة صغيرة، فلاحظ المهندسون والخبراء ذلك الشق مبكراً، وكتبوا تقارير وحذروا بصوت مرتفع من احتمال الانهيار الكامل في حال استمرار تدفق المياه. لكن رد الإدارة المحلية كان بسيطاً وتسكينياً: “الوقت غير مناسب لإثارة الذعر والقلق، والمياه ما زالت تحت السيطرة، والوضع مستقر”. لم يكن الانهيار الذي حدث لاحقاً بسبب قوة الأمطار وحدها، بل بسبب تأجيل الإصلاح والإنكار المستمر للخلل البنيوي. إن تغييب أصوات النقد البناء وإسكات أجهزة الإنذار المبكر يحرم المؤسسات من فرصة التدخل الاستباقي، ويحول الأخطاء التدبيرية إلى مسارات جامدة تتفادى التقييم والمحاسبة، حتى تقع الصدمة الكبرى التي ترفع من كلفة الإصلاح المالي والاجتماعي إلى مستويات قد تعجز الدولة عن تحملها لاحقاً.

أضغاث أحلام

إن سُنن إدارة المجتمعات وبناء الحضارات هي قوانين موضوعية عابرة للأيديولوجيات والأزمنة، والقرآن الكريم لا يقدم لنا قصصاً لمجرد السرد التاريخي، بل يضع بين أيدينا ميكانيزمات واضحة لتدبير الأزمات الوجودية من خلال قصة يوسف عليه السلام. عندما واجهت مصر القديمة خطر “السبع الشداد” -وهي أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة هددت بقاء الدولة- تبيّن أن النخبة الإدارية والسياسية التقليدية المحيطة بمركز القرار كانت غارقة في العجز التام، واكتفت بوصف الخطر والرؤيا بأنها “أضغاث أحلام” تهرباً من كلفة التغيير والمواجهة الشجاعة للواقع. في تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الأمة، جاء مشروع الإنقاذ والتدبير من خارج المنظومة التقليدية تماماً؛ جاء من “الهامش والموقع المستبعد”؛ من غياهب السجن الذي يمثل أقصى درجات الإقصاء والتغييب القسري للصوت المزعج.

صناعة التغيير

ولم يكن يوسف عليه السلام جزءاً من شبكة المصالح الضيقة أو النخبة المستفيدة من الامتيازات، ولكنه امتلك وضوح الرؤية، والقدرة التقنية، والاستعداد التام لتحمل المسؤولية والمحاسبة الباردة حين قال: “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”. إن سر النجاح والنجاة في هذا النموذج الرباني يرتكز على تكامل شقين حاسمين: شجاعة الطرف المعارض والمستبعد في تقديم مشروع بناء وعملي متكامل لا يستهدف المناكفة السياسية أو الانتقام بل يهدف إلى الإنقاذ الشامل، ومرونة سلطة القرار (الملك) في الاستماع لعقل مختلف وجديد، وإفساح المجال له عبر نقل الثقل الإداري والمالي من منطق “الولاء والقرابة والامتياز” إلى منطق “الكفاءة والأمانة والعلم”. هذه السُنّة تؤكد أن تجديد دماء النظم يتطلب حتماً كسر الحلقة المغلقة وصناعة التغيير من الهوامش الناقدة.

البراغماتية الصينية

وعلى الجانب الآخر من التاريخ المعاصر، وتأكيداً على كونية هذه السُنن السياسية والاقتصادية، نجد التجربة الصينية الحديثة تحت قيادة الزعيم “دنغ تشياو بينغ”، هذا الرجل تذوق مرارة الإبعاد السياسي، والتنكيل، والسجن خلال كوارث “الثورة الثقافية” وسياسات القفزة الكبرى التي تبنتها البلاد في عهد “ماو تسي تونغ”، والتي أدت حينها إلى إنهاك الصين اقتصادياً واجتماعياً وإيصالها إلى حافة الشلل التام. عندما عاد “دنغ تشياو بينغ” إلى موقع القرار بعد عقود من الإقصاء، لم يستسلم لغريزة الصراع الشخصي أو الرغبة في تصفية الحسابات القديمة وهدم كيان الدولة الشيوعية، بل قاد مراجعة عقلانية باردة وجريئة للمسار بأكمله، مستنداً إلى مقولته الشهيرة “لا يهم لون القط، أسود أم أبيض، طالما أنه يصطاد الفئران”.

شجاعة تاريخية

لقد اعترفت القيادة الصينية آنذاك بشجاعة تاريخية نادرة بأن النموذج السابق القائم على الجمود الأيديولوجي والشعارات الحماسية لم يعد صالحاً لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية. وتم الحفاظ على استقرار الدولة وهويتها العامة، ولكن عُدلت قواعد اللعبة الاقتصادية بالكامل عبر الانفتاح والبراغماتية، وتفضيل الكفاءات التقنية والتكنوقراطية على حساب الولاء الحزبي الأعمى. لم ينتظر الصينيون الانهيار الكامل حتى يعترفوا بالمشكلة، بل فهموا مبكراً أن الاستمرار في النهج القديم سيقود إلى كارثة محققة، فكان الانفتاح على الأفكار المغايرة وإشراك القيادات المستبعدة هو الحجر الأساس في بناء النهضة الاقتصادية والصعود الكوني المرعب للصين المعاصرة التي نشهدها اليوم كقوة عظمى.

التصحيح البنيوي

إن المقارنة المعمقة بين النموذج المعرفي القرآني والنموذج السياسي الحديث تكشف عن حقيقة أكاديمية راسخة: الإصلاح التنموي والسياسي الحقيقي يستوجب بالضرورة عدم حصر صناعة القرار داخل حلقة مغلقة تكرر الأفكار والسياسات نفسها. إن الانفتاح على العقول التي تقف على خطوط المعارضة والنقد البناء يمثل آلية تصحيح بنيوية تحمي الدولة من التكلس والجمود. وبيد أن هذا التحول يتطلب توازناً بنيوياً بين طرفين؛ أولهما أصوات ناقدة ومسؤولة تمتلك برامج بديلة ورؤى علمية واضحة، وقدرة على الانتقال من مربع النقد والتحليل إلى مربع التدبير والتنفيذ والامتثال للمحاسبة. وثانيهما مؤسسات مرنة تمتلك القدرة على الإصغاء، وتدرك أن النقد ليس استهدافاً للاستقرار أو المؤامرة، بل هو أداة ضرورية لتصحيح المسارات وتقويم الاختلالات التنموية الناتجة عن الممارسة اليومية.

ومن الناحية السوسيولوجية المحايدة، لا يمكن تفسير التوجه نحو التضييق وإغلاق الفضاء العام كرغبة مجردة في السيطرة، بل يتم تحليله كاستراتيجية حمائية من طرف الإدارة التنفيذية للحفاظ على النظام العام وتمرير سياسات هيكلية صعبة (مثل رفع الدعم، وإصلاح الصناديق الاجتماعية، وتحمل كلفة المديونية). وترى المقاربة الرسمية أن السيطرة على الفضاء الرقمي تمنع انتشار خطابات “الشعبوية” التي قد تزعزع الاستقرار الاقتصادي وتطرد الاستثمارات الخارجية. لكن الخلل الأكاديمي في هذا الطرح يكمن في إغفال كلفة الصمت؛ فكبت الآراء يولد احتقاناً غير مرئي، ويحرم الدولة من التقييم الحقيقي لنجاعة سياساتها. الاستقرار الحقيقي والمسؤول لا يتحقق بإسكات أجهزة الإنذار المبكر، بل بامتلاك القنوات المؤسساتية القادرة على استيعاب النقد وتحويله إلى خطط إصلاحية ملموسة.

أفق المراجعة

إن استمرار التضييق على منافذ التعبير وإقصاء الرموز الناقدة يؤدي حتماً إلى استنزاف الرأسمال اللامادي للدول، وتعميق فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات الإدارية والتنفيذية. إن الأزمة ليست دائماً معطى خارجياً أو نتاج مؤامرات، بل هي مرآة تكشف مدى قدرة النظم على تقييم ذاتها وتصحيح اختلالاتها البنيوية بشجاعة وبطرق سلمية ومؤسساتية قوامها التشارك وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة للمجموعات المستفيدة. إن حظر الرأي المغاير وملاحقة أصحابه يمنع المجتمع من النضج السياسي، ويحرم الدولة من طاقات فكرية وقانونية هي في أمس الحاجة إليها لمواجهة تحديات العولمة وتذبذب الأسواق الدولية وضغوط التنمية المحلية المعقدة…

اقتصاد في سياسة

ولمن أراد التعمق في تفكيك هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الشاملة، ومتابعة الأبعاد السوسيو-اقتصادية والكمية التي تحرك هذه التحولات الإقليمية الكبرى من خلف الستار، ندعوكم لمتابعة الحلقات التحليلية المعمقة لبرنامج “اقتصاد في سياسة”، حيث نناقش هذه الملفات برؤية أكاديمية وازنة وعبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui    .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أكاديمي وكاتب مغربي

المصدر