أكد الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم الاجتماعية سعيد بنيس أن السلوك المدني يشكل أحد أبرز مؤشرات تحضر المجتمعات وعنصراً أساسياً من عناصر القوة الناعمة للدول، معتبراً أن فهم هذا المفهوم في السياق المغربي يقتضي الانطلاق من الوقائع اليومية للمغاربة ومنظومة القيم التي تؤطر حياتهم الجماعية.
وأوضح بنيس في اتصال مع اليوم24، بمناسبة صدور تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الموضوع، أن السلوك المدني لا يمكن اختزاله في احترام القوانين فقط، بل يستند إلى مرجعيات ثقافية واجتماعية متجذرة في المجتمع المغربي، من قبيل قيم « ولد الناس »، و »التويزة »، و »دور الجماعة »، و »الخيمة العامرة »، إلى جانب الترسانة القانونية المنظمة للحياة العامة ومبادئ العيش المشترك القائمة على التعدد والتنوع واحترام الروابط الاجتماعية داخل الأسرة والحي ومكان العمل والجمعيات.
واعتبر أن السلوك المدني يتجلى عملياً في الممارسات اليومية داخل الفضاءات العمومية، سواء من خلال مساعدة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، أو عبر احترام الدور والقوانين وحسن التعامل مع الآخرين. ومن هذا المنطلق، يرى الباحث أن السلوك المدني هو في جوهره سلوك مواطناتي يقوم على الحوار والتعاون وخدمة الصالح العام، وليس على الإقصاء أو السمسرة أو استغلال النفوذ.
وأشار إلى أن ترسيخ هذا السلوك يرتبط بتعميق الشعور بالمواطنة وتعزيز قيم التهذيب والاحترام والتسامح وقبول الآخر، مؤكداً أن الأسرة والمدرسة والأحزاب والجمعيات والأندية الرياضية تظل مؤسسات محورية في بناء الحس المدني وضبط السلوك داخل المجتمع.
وسجل بنيس وجود العديد من المظاهر الإيجابية التي تعكس قوة الرصيد المدني لدى المغاربة، من بينها مبادرات تنظيم الصفوف بشكل تلقائي داخل الإدارات، والمشاركة في حملات النظافة، والعمل التطوعي داخل الجمعيات، والتضامن المجتمعي خلال الأزمات والكوارث، كما حدث عقب زلزال الحوز، إضافة إلى المبادرات التضامنية لمغاربة العالم والمبادرات الرقمية الهادفة إلى نشر الاستخدام المسؤول للفضاء الافتراضي.
في المقابل، نبه الباحث إلى تنامي عدد من السلوكات غير المدنية، سواء المادية منها كإلقاء النفايات في الأماكن العامة، وعدم احترام ممرات الراجلين، والتحرش، والضجيج المفرط، أو السلوكات الرمزية المرتبطة بالإهانة والتحقير والتنمر والكراهية والتجسس على الحياة الخاصة للآخرين، فضلاً عن انتشار الأخبار الزائفة عبر المنصات الرقمية دون التحقق من صحتها.
وشدد بنيس على أن معالجة هذه الظواهر تتطلب فهماً سوسيولوجياً للحياة اليومية وللعوامل الاجتماعية المؤثرة في السلوك، من قبيل مستوى التعليم والفوارق الاجتماعية وأنماط العيش بين الوسطين الحضري والقروي، معتبراً أن التربية وحدها لا تكفي، بل لا بد من توفير شروط اجتماعية وسياسية وثقافية تساعد على استقرار السلوك المدني واستدامته.
وفي هذا السياق، دعا إلى إعادة الاعتبار لدور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، وإلى تعزيز حضور القدوة الإيجابية داخل المجتمع، مع العمل على التوفيق بين القيم الصاعدة في الفضاء الرقمي ومتطلبات السلوك المدني الواقعي، للحد من مظاهر العنف والكراهية والنرجسية المفرطة.
كما أكد أن التحولات الرقمية فرضت إعادة التفكير في مفهوم السلوك المدني نفسه، في ظل انتقال جزء كبير من التفاعلات الاجتماعية والسياسية إلى الفضاء الافتراضي، وهو ما يستدعي إدماج التربية على المواطنة الرقمية ضمن السياسات العمومية والبرامج التربوية.
وفي ما يتعلق بقياس مستوى السلوك المدني، يرى بنيس أن الأمر يتطلب اعتماد مؤشرات وطنية وجهوية تراعي الخصوصيات الترابية والثقافية للمجتمع المغربي، مشيراً إلى أن الحديث عن سلوك مدني واحد لا يعكس حقيقة التنوع الموجود بين مختلف جهات المملكة.
كما أشار إلى تحويل المدرسة المغربية من فضاء للتعليم فقط إلى فضاء للتربية على القيم والسلوك المدني، عبر إحداث مسارات وأنشطة عملية لترسيخ المواطنة الإيجابية والتربية الإعلامية والرقمية، مقترحاً تنظيم مناظرة وطنية حول السلوك المدني تفضي إلى إحداث مرصد وطني يعنى بتتبع مؤشرات الحس المدني وتعزيز ثقافة العيش المشترك داخل المجتمع المغربي.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







