المفكر إدغار موران: رحل مهجوسا بسؤال ” إصلاح الحياة ”    

منذ 2 ساعات 4
ARTICLE AD BOX

   رحل الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران ,بعد ثلثي قرن من الحضور   الفكري والسياسي كمفكر ومناضل نقدي ,ومحلل لمختلف معضلات العصر , ومستشرف لأفق جديد للإنسانية في مواجهة أزماتها المتشابكة مخلفا رصيدا فكريا ثرا في مجالات الفلسفة والاجتماع  والسياسة والتربية والبيئة ,ومنهجا  لتحصين التفكير من الاختزال والتبسيط والنزوع نحو الفكر الجاهز .     

آراء أخرى

  • علم الطبيعة وعلم الشريعة

  • أحمد اليبوري... حين يصيرُ الأستاذُ ذاكرةً للجَامعة

  •  غويتيسُولو المُثقّف التنويريّ والمُفكّر والرّوائيّ الكونيّ

انتقد  موران النزعة المركزية الغربية ,وفكر الهوية الواحدة , وتجربة الشيوعية الستالينية التي قطع معها بانسحابه من الحزب الشيوعي الفرنسي , وبلور منظورا لإصلاح الفكر وتحريره من اليقينيات المعيقة للتفكير الذاتي , ومن التجزيء والاختزال  داعيا في هذا الصدد إلى تأسيس مناهج  التربية والتعليم علىالفكر المركب أوالمعقد ” ,المتعدد الأبعاد  بدل التخصصات الضيقة التيتشتت المعارف وتبعثرها “, كما كتب في مؤلفه  تربية المستقبل : المعارف السبع لتربية المستقبل ” .,  ويعرف إ موران  الفكر المعقد بقوله في أحد حواراته : “الفكر المعقد ، الذي أدافع عنه ، ينطلق من الكلمة اللاتينية Complexus، التي تعني  المتشابك مع بعضه بعضاً “, فهذا الفكر هوالشكل الفكري الذي يربط الكل إلى أجزائه ، يُمفصل بدلاً من أن يجزئ    (15N  Philosophie magazine ) .

في أجزاء مصنفه الضخمالمنهجيتوقف موران عند الحياةكنمط عيش , كمشكلات إنسانية قاهرة ,وليس كفكرة متعالية ، مجردة , وإنما كتفاصيل  لليومي كما يعيشها الإنسان  بتوتراتها و قلقها  وعلاقاتها المعقدة والمتشابكة مع الآخرين ، و بشتى ألوان معاناتها ، من انكسارات وإحباطات وانسحاقات تهدد الفرد في أغلى ما لديه: كرامته ككائن إنساني   

فما السبيل لإصلاح الحياة إذن ؟ سؤال انهجس به  إدغار مورانالفيلسوف  والسوسيولوجي ذو الفكر المتعدد الأبعاد ، الكوكبي الرؤية والأفق ، واضعا    الأصبع  بدقة  العالم ,وعمق الفيلسوف على أزمات البشرية , وتحديات مفاعيلها على الحياة البشرية , الفردية والجماعية،   حيث خصص حيزا كبيرا في الجزء الأخير من  المنهجللتعريف بمعنى وسبل إصلاح الحياة .

في  حوار عميق وممتع أجرته معه مجلة  sciences humaines(عدد مايو _ يونيو 2011) , يقد مإدغار موران  تشخيصا دقيقا لما يسميهأزمة البشريةالناتجة عن مسار تطوري للتاريخ المعاصر للمجتمعات الغربية خاصة  تحول إلىآلة جهنمية منالإنتاج / الاستهلاك/,التدمير“,أنتجت وتنتج باستمرار مشاكل على المستوى الوجودي ,الفردي والجماعي ,من مظاهرهاهمجية الحساب والربح والتقنية، واعتبار تنمية الفرد مسألة كمية ، مادية لا غير، واختزاله في بعد واحد ,يقوم على وهم  أن الرخاء هو طريق السعادة , في حين , يقول موران : “اكتشفنا أن الرخاء المادي لا يجلب السعادة ، بل الأسوأ من ذلك ,أن الثمن الذي ينبغي دفعه لقاء الوفرة المادية قد تبدى ثمنا إنسانيا باهظا : هو الضغط النفسي وسبا ق السرعة والإدمان والشعور بالفراغ الداخلي

يتم  ذلكيضيف مورانعلى حساب ما هو أهم وأمتع في حياة الأفراد ، أي الشعور بالأمن الداخلي والسكينة والانسجام في العيش مع الآخر , “نحن ما زلنا على المستوى الإنساني همجيين، هكذا يجزم موران، ضاربا أمثلة من المعيش اليومي للإنسان المعاصر , الذي  يسمه  موران  بالعمى عن الذات وعدم فهم الغيرسواء على مستوى العلاقات الشخصية أوالحميمية ,أي داخل الأسر والأزواج ، حيث الانفصال ، وتجمد المشاعر، والكراهية ,والحسد والبغضاء إلخوهي نفسهايلاحظ مورانالمشاعر بين الشعوبفرغم وسائل الاتصال المتعددة يتزايد عدم فهم الشعوب الأخرى “.

كيف نتجاوز هذا العيش للحياة بهذهالطريقة الهمجية؟ وهل من سبيل أومنهجلفن عيش جديد؟.

      عن هذا السؤال، يحدد موران سبلا (لا سبيلا واحدا) لإصلاح الحياة ، وتأسيسها على مبادئ إنسانية ، عقلانية وعاطفية وأخلاقية،  أوجز هنا عناوينها:

– “التحرر من طغيان الزمن (…)، يجب أن نجعل أنفسنا أسيادا على الزمن، فمن المهم أكثر, كما يقولأن يعيش المرء حياته على أن يجري وراءها

– “الحوار الدائم بين متطلبات العقل، ومتطلبات العاطفة، فلا حياة مكتملة بدون ذلك ، فأنسنة دوافعنا ، ولجم انفعالاتنا الغاضبة ، والتغلب على المشاعر السلبية اتجاه الآخر تفرض ،رقابة تأملية ذاتية، فذلك هو طريق وعينا بالذات ، ومعرفتها في بعديها العقلي والعاطفي ، يقول :”لقد بجل الغرب معرفة الطبيعة وإخضاعها بدلا من معرفة النفس والسيطرة عليها “.

تحقيق نمط جديد من الاستهلاك, ضد الإدمان على المشتريات،يجب على المجتمع أن يشفى من حمى الاستهلاك ,وعلى مشترياتنا أن تقوم على الرغبة والإعجاب لا على الاستهلاك لأجل الاستهلاك فقط ,ففن العيش الجديدلا يعني الاستغراق في المتع والملذات، بل هوتناوب بين حالات نثرية وحالات شعرية ” ,ويقصد موران بذلكأن السياسة الحضارية تستلزم وعيا تاما باحتياجات الإنسان الشعريةوعليها أن تبدل قصارى جهدها للتخفيف من القيود والعبودية والعزلة , أيقيود الحالة النثرية. “

بناء الثقة مع الغير عن طريق إثباتالأناواندماجالنحن “, إذ يعتبر مورانأن إحدى أولويات إصلاح الحياة، تعلم أشكال المعاشرة الاجتماعية الجديدةالقائمة على الود والصداقة والتعاطف والحبإنها أكبر ورشة من ورشات إصلاح الحياة.

        من يقوم بهذا الإصلاح ؟ الدولة طبعا : فللإصلاحات السياسية والاجتماعية دور رئيسي في ذلك ، وهنا يشدد موران على ضرورةإصلاح التعليم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، وأنسنة الفضاءات العموميةإضافة إلى ضرورة تنمية الفرد تنمية كيفية عقلية وجدانية وتربوية ، فقيم التسامح والتعاطف والغيرية هي استعدادات جوهرية في الإنسان لابد من تنميتها والارتقاء بها بموازاة مع الارتقاء بالشروط المادية لحياة الأفراد والجماعات.

إن الحقول التي تحتاج إلى إصلاح متعددة ، ولا يمكن لواحد منها لوحده أن يحسن حياة الإنسان والمجتمع ، من هنا يؤكد موران علىأن كل شيء متصل  بعضه بالبعض ، هذا هو التفكير المركب ، وإن السبيل هو التكافل البيني بين الإصلاحات “. ويشير موران أيضا, إلى دور الفرد ومسؤوليته في إصلاح حياته الشخصية ، و في تغيير ذاته من خلال  تأملها وتصحيح تمثلاتها عن نفسها وعن الآخرين

  رحل إدغارموران بعد حياة طويلة وعريضة , زاخرة بإنتاج فكري كثيف ,  ومشرفة  بمواقفه السياسية ضد الكلانية ومتحوراتها , وضد عنجهية الغرب المتمركز حول ذاته , المضطهد للشعوب المتطلعة للسيادة والحرية كموقفه السياسي والأخلاقي والإنساني  المصطف إلى جانب الحقوق  الوطنية  للشعب الفلسطيني  في مواجهة حرب الإبادة الصهيوأمريكية كما عاش أطوارها بألم  وهو في آخر سنوات عمره                      

      فسلام على روح هذا المفكر الفذ, المتعدد ,والكوني , والمناضل ,بالكلمة والفعل , من أجل أنسنة الحياة في كليتها.

المصدر