الحماية من البطالة: من التعويض عن فقدان الشغل إلى التأمين ضد البطالة

منذ 9 ساعات 4
ARTICLE AD BOX

تهدف سياسات الحماية من البطالة إلى تعزيز التشغيل الكامل المنتج، وضمان دخل للأشخاص الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على الحصول على عمل لائق.

وتُعتبر الحماية من البطالة حقاً من حقوق الإنسان، كما أنها حق اجتماعي واقتصادي، وقد تم تكريسها في عدد من الصكوك الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966). وتقع على عاتق الحكومات والشركاء الاجتماعيين مسؤولية وضع السياسات واتخاذ التدابير الكفيلة بتعميم الحماية من البطالة على الجميع، ليس فقط من خلال آليات التأمين الاجتماعي، بل أيضاً عبر أنظمة ممولة من الضرائب.

نصف الدول فقط تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة…

يوجد في العالم 93 بلداً وإقليماً تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة، تعتمد أساساً على التأمين الاجتماعي، وإن كانت بعض البلدان تلجأ أيضاً إلى آليات ممولة من الضرائب. وتتم الحماية من البطالة أساساً عبر أنظمة التأمين الاجتماعي (87 بلداً)، غالباً ما تكون منسقة مع أنظمة ممولة من الضرائب (38 بلداً)، ونادراً ما تعتمد حصرياً على التأمين الاجتماعي (16 بلداً). كما توجد ست دول تعتمد أنظمة لتعويضات البطالة ممولة من الضرائب، وهي: روسيا الاتحادية، ونيوزيلندا، وأندورا، وأستراليا، وسيشل، وتونس، مع اقتران بعضها بتعويضات نهاية الخدمة.

ومن بين 101 بلد وإقليم لا تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة، هناك 80 بلداً توفر تعويضات عن فقدان العمل أو مزايا مشابهة، يتم تمويلها أحياناً من خلال صناديق إلزامية ممولة من طرف المشغلين. غير أن هذه الأنظمة القائمة على مسؤولية المشغل توفر مستوى محدوداً من الحماية. وفي 55 بلداً وإقليماً من أصل 92 بلداً اعتمدت أنظمة للتأمين ضد البطالة، تم الإبقاء على تعويضات نهاية الخدمة باعتبارها آلية تكميلية.

… وعاطل واحد فقط من كل ستة يتلقى تعويضاً

رغم أن عاملاً واحداً من أصل عاملين يتمتع بتغطية قانونية، فإن 16,7% فقط من العاطلين عن العمل يتلقون تعويضات، مع وجود تفاوتات إقليمية كبيرة: 56,1% في البلدان ذات الدخل المرتفع، و2,5% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و0,2% فقط في البلدان منخفضة الدخل.

وفي شمال إفريقيا، لم تتجاوز نسبة المستفيدين 2,9% سنة 2023 مقابل 2,1% سنة 2015. أما في العالم العربي، فلا تتعدى نسبة التغطية 1,2% مقابل 2,7% سنة 2015.

ويجد أكثر من 168 مليون عاطل عن العمل أنفسهم دون أي تعويض عن البطالة، من بينهم 102 مليون رجل و66 مليون امرأة. (جميع هذه المعطيات مستمدة من تقرير منظمة العمل الدولية:التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024-2026)

ويمكن تفسير ضعف التغطية الفعلية بكون العديد من الأنظمة تفرض شروط أهلية صارمة جداً، إضافة إلى استبعاد بعض أنواع العقود أو القطاعات الاقتصادية، أو بسبب اشتراط مستويات معينة من دخل الأسر. وغالباً ما يُحرم الشباب، والعاملون لحسابهم الخاص، وعمال المنصات الرقمية، والعاملون في القطاع الفلاحي، والعمال المهاجرون من أي شكل من أشكال الحماية ضد البطالة عند فقدانهم لعملهم أو لدخلهم.

حصيلة متباينة للتعويض عن فقدان الشغل

يتوفر المغرب منذ سنة 2014 على نظام التعويض عن فقدان الشغل. وكان آنذاك من بين البلدان النامية القليلة التي اعتمدت مثل هذا النظام. غير أن جائحة كوفيد-19 غيرت المعطيات، حيث سارعت العديد من الدول إلى إرساء أنظمة تأمين ضد البطالة للحد من الفقر والإقصاء.

وفي هذا السياق، اعتمد المغرب سنة 2021، بتوجيهات من جلالة الملك، قانوناً إطاراً يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية على مدى خمس سنوات. ويرتكز هذا المشروع على أربعة محاور أساسية:

تعميم التغطية الصحية الإجبارية بحلول نهاية سنة 2022؛

تعميم التعويضات العائلية سنة 2023؛

توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد؛

تعميم التعويض عن فقدان الشغل لفائدة الأشخاص ذوي العمل المستقر خلال سنتي 2024 و2025.

وإلى حدود اليوم، لم يتم إنجاز سوى المحورين الأولين بشكل جزئي، بينما لا يزال المحوران الآخران قيد الدراسة.

ولا تبدو حصيلة نظام التعويض عن فقدان الشغل مشجعة، وكان ذلك متوقعاً منذ إطلاقه سنة 2014. فقد كان الهدف إحداث آلية قادرة على الاستمرار والتمويل الذاتي. وكان المشروع يراهن على استفادة 30 ألف شخص سنوياً، بميزانية تقديرية تبلغ 500 مليون درهم

غير أن شروط الاستفادة جاءت صارمة للغاية، إذ يتعين على الأجير أن يكون قد صرح له بـ780 يوماً من الاشتراك خلال 36 شهراً السابقة لفقدان الشغل، منها 260 يوماً خلال الاثني عشر شهراً الأخيرة. ويعادل مبلغ التعويض الشهري 70% من الأجر المرجعي (متوسط أجور الـ36 شهراً الأخيرة)، في حدود الحد الأدنى القانوني للأجر.

ويجب إيداع طلب الاستفادة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي داخل أجل 60 يوماً من تاريخ فقدان الشغل. كما تعتبر فترة الاستفادة فترة تأمين بالنسبة للتغطية الصحية والتعويضات العائلية والتقاعد. وفي حالة استئناف العمل، يتعين على المستفيد إشعار الصندوق داخل أجل ثمانية أيام.

وقد تبين أن مبلغ التعويض غير كافٍ، غير أن ذلك يرتبط أيضاً بمستوى الاشتراكات. فالنظام ممول عبر نسبة اشتراك لا تتجاوز 0,57% من الأجر، في حدود سقف 6000 درهم. ويتحمل المشغل 0,38% منها، بينما يتحمل الأجير 0,19%

وتظل هذه النسب ضعيفة للغاية مقارنة بما هو معمول به في العديد من البلدان الأخرى.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن نظام التعويض عن فقدان الشغل يمثل مكسباً اجتماعياً مهماً في تاريخ الحماية الاجتماعية بالمغرب، لكنه يظل في الوقت نفسه محدود الولوج. وتعود أبرز نقاط ضعفه إلى صرامة شروط الاستفادة، وضعف تغطية سوق الشغل الحقيقي، ومحدودية مبلغ التعويض، وغياب منظومة متكاملة لمواكبة العاطلين عن العمل.

تعميم التأمين ضد البطالة: تحدٍّ مطروح

إن هذه الاختلالات تستوجب الإصلاح للانتقال إلى مستوى أعلى من الحماية ضد البطالة، وربما إرساء نظام شامل للتأمين ضد البطالة.

ولتحقيق ذلك، ينبغي تخفيف شروط الاستفادة، والرفع من قيمة التعويضات، ومراجعة نسبة الاشتراكات والسقف المعتمد للأجور نحو الأعلى.

فعلى سبيل المثال، إذا تم رفع نسبة الاشتراك إلى 3%، كما هو الحال في تركيا (2% يتحملها المشغل و1% يتحملها الأجير)، واعتماد كتلة الأجور المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي بلغت حوالي 221,8 مليار درهم سنة 2024، فسيكون بالإمكان تعبئة نحو 7 مليارات درهم، أي ما يعادل أربعة عشر ضعف الموارد الحالية.

وبمثل هذا الغلاف المالي، يمكن توفير تغطية لفائدة 200 ألف عاطل عن العمل لمدة سنة كاملة بدل ستة أشهر فقط كما هو معمول به حالياً.

وبطبيعة الحال، ينبغي للدولة أيضاً أن تساهم في هذا الجهد، من خلال التكفل بجزء من طالبي الشغل لأول مرة، الذين بلغ عددهم سنة 2025 حوالي 857.500 شخص، أي ما يعادل نصف عدد العاطلين.

وبالنسبة لهؤلاء الشباب الباحثين عن الشغل والذين لا يتوفرون على موارد، ينبغي إقرارتعويض عن البحث عن الشغل (IRE) بدل الاقتصار على التعويض عن فقدان الشغل.

وقد أثبتت تعويضات البطالة، حيثما تم تطبيقها، قدرتها على الحد من الفقر، ودعم الاستهلاك، وتحقيق آثار إيجابية على الصحة والرفاه خلال فترات الانتقال المهني. كما أنها توفر الأمن المالي الذي قد يؤخر اللجوء إلى العمل غير المهيكل أو الهش.

وفي ضوء التعقيدات التي يعرفها سوق الشغل، فإن الاقتصار على أنظمة التأمين ضد البطالة، الموجهة أساساً للعاملين في القطاع المنظم والمصرح بهم، لا يسمح بتحقيق تغطية كافية.

ولذلك يتعين اعتماد مقاربة شمولية ترتكز على سياسات وإجراءات متكاملة تهدف إلى:

– تحسين ظروف العمل والأجور؛

تعزيز قابلية التشغيل والتشجيع على الإدماج في القطاع المنظم؛

مكافحة التشغيل الناقص، خاصة في صفوف النساء والشباب؛

الحد من ظاهرة عزوف الباحثين عن الشغل.

ومن ثم، فإن الحكومات مطالبة، بالتوازي مع تحسين فعالية التأمين ضد البطالة، بالتفكير في إرساء أنظمة متكاملة للحماية من البطالة، تجمع بين تعويضات التأمين الاجتماعي والأنظمة الممولة من الضرائب، مقرونة بسياسات نشطة لسوق الشغل.

ومن بين الإجراءات ذات الأولوية:

– توسيع الإطار القانوني وتخفيف شروط الاستفادة من تعويضات البطالة؛

– الاستثمار في السياسات النشطة لسوق الشغل وتعزيز خدمات التشغيل العمومية؛

– الاستفادة من أدوات التوقع الآني للاستجابة السريعة للصدمات الاقتصادية؛

– استكشاف مقاربات مبتكرة تُمكّن من الوصول إلى العاملين في مختلف أشكال التشغيل.

أهم اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالتأمين ضد البطالة

1. الاتفاقية رقم 2 بشأن البطالة (1919) أول اتفاقية تناولت موضوع البطالة، ونصت على إحداث خدمات عمومية مجانية للتشغيل والتنسيق بين مكاتب التشغيل واتخاذ تدابير لمحاربة البطالة.

2.الاتفاقية رقم 44 بشأن التأمين ضد البطالة وتعويضات العاطلين قسراً1934 أول نص دولي مهم خصص للتأمين ضد البطالة، ونص على صرف تعويضات للعاطلين قسراً ووضع شروط دنيا للتعويض.

3. الاتفاقية رقم 102 بشأن المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي (1952): تعتبر المرجع الأساسي في مجال الضمان الاجتماعي، وأدرجت البطالة ضمن الفروع التسعة للحماية الاجتماعية.

4. الاتفاقية رقم 168 بشأن تعزيز التشغيل والحماية من البطالة ()1988وهي المرجع الدولي الأحدث، وتركز على حماية العاطلين والسياسات النشطة للتشغيل والتكوين وإعادة التأهيل.

5.التوصية رقم 176 (1988): مكملة للاتفاقية رقم 168، وتتضمن توجيهات مفصلة حول التعويضات وبرامج التشغيل والتكوين المهني وحماية الشباب والعاملين الهشين.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب لم يصادق على جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبطالة، وخاصة الاتفاقية رقم 168.

المصدر