إجبار طفل قاصر على السكر!

منذ 1 ساعة 4
ARTICLE AD BOX

اسماعيل الحلوتي

إجبار طفل قاصر على السكر!

السبت 30 ماي 2026 | 12:14

يعتقد البعض من الناس أن مسؤولية تربية الطفل تقع في المقام الأول على عاتق الأم وحدها، مادامت هي التي ترافقه في نموه وتسهر على رعايته، فيما يقتصر دور الأب على الاشتغال خارج البيت من أجل تأمين لقمة العيش لأفراد الأسرة، ويعتقد البعض الآخر بأن المسؤولية مشتركة بين الأم والأب. لكن علماء التربية يجمعون على أن تربية الطفل هي مسؤولية مجتمعية وتشاركية ولا تنحصر في الأبوين وحدهما، بل تتسع لتشمل جميع مؤسسات المجتمع من قبيل المدرسة، البيئة والمحيط والإعلام، وأن تكامل الأدوار هو الكفيل بتنشئة الطفل السوي والمتزن نفسيا واجتماعيا.

آراء أخرى

  • الإدماج المالي قبل الإدماج الاجتماعي: «استبناك» الفقر، المسار الجديد للرأسمالية

  • دبلوماسية الصّليب.. زلّة بروتوكولية أم جهل بالثوابت؟

  •  ذكرى غير قابلة للتّرميم

إذ تعتبر الأسرة النواة الأولى للمجتمع من خلال تعاون الأبوين في حسن تنشئة الطفل وتوفير كل أسباب الأمان العاطفي والمادي، والحرص الشديد على تلقينه كل القيم الإنسانية النبيلة والأخلاق الرفيعة، فيما تسهر المدرسة على بناء شخصيته علميا واجتماعيا وصقل مواهبه وتطوير مكاسبه ومهاراته، باعتبارها عنصرا أساسيا وذات دور مكمل للبيت أو الأسرة، بينما يؤثر الإعلام والمجتمع في سلوكياته وطريقة تفكيره وفق ما يقدم له من محتويات وتجارب حياتية مباشرة، كما يلعب أقرانه من الأصدقاء دورا مركزيا في تنشئته واستقلاليته والتأثير على ميوله واهتماماته…

وفي المقابل يؤدي إهمال الطفل وعدم الاهتمام برعايته إلى آثار سيئة، تشمل اضطراب النمو الإدراكي والعاطفي، تدني الثقة بالنفس ومخاطر الانحراف السلوكي، وطالما تتطور مثل هذه العواقب الوخيمة نحو المعاناة من حالة اكتئاب وضعف القدرة على بناء علاقات سليمة، إلى جانب مشاكل نفسية أخرى ترافقه حتى مرحلة البلوغ. إذ يعد التقصير في تربية الطفل من بين أخطر التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع، وتنقسم هذه المخاطر إلى ما هو: نفسي وعاطفي يتمثل في انعدام الأمان والثقة، ضعف القدرة على اتخاذ القرارات وتراكم المشاعر المكبوتة، مما يمهد لظهور اضطرابات القلق والاكتئاب. وما هو: سلوكي واجتماعي، كالسلوك العدواني الذي يقود صوب ممارسة سلوكيات تدميرية تجاه الآخرين لتفريغ الشعور بالإحباط، ضعف المهارات الاجتماعية وعسر التأقلم مع المجتمع، ناهيكم عن ضعف الانضباط الذاتي وتحمل مسؤولية أفعاله، واكتساب عادات سيئة وخطيرة قد لا تضر بشخصه وحده، بل بالمجتمع المغربي ككل، في ظل غياب التوجيه الجيد والمواكبة الصحيحة والمستمرة…

ففي واقعة خطيرة تعد هي الأولى من نوعها من حيث حجم فظاعتها، اهتزت لها مشاعر الرأي العام الوطني، أظهر مقطع فيديو طفلا قاصرا في عمر الزهور أثناء احتسائه الخمر مرغما من قبل أشخاص مجرمين، وهو التسجيل المصور الذي تدوول على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي منذ اليوم الثاني من عيد الأضحى لعام 1447/2026، مما أثار حفيظة آلاف الأسر المغربية التي تتبعت محتوى الشريط بامتعاض، وخلف استنكارا شديدا في أوساط عدة منظمات حقوقية وجمعيات مدنية وخاصة تلك التي تعنى بشؤون الطفل وحقوقه، التي سارعت إلى التنديد بهذا الفعل الشنيع، حيث يعتبر ما تم الترويج له من مشاهد مستفزة للمشاعر، انتهاكا صريحا وواضحا لحقوق الطفل الأساسية، ويعد جريمة مكتملة الأطراف، لما يمثله من اعتداء صارخ ومباشر على الطفولة المغربية ومن خطر داهم للسلامة الجسدية والنفسية والصحية للأطفال القاصرين…

وفضلا عما أثاره شريط الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي من جدل واسع وردود فعل غاضبة، وتوالي المطالب بضرورة فتح تحقيق عاجل من أجل محاسبة كل من ثبت تورطه في هذه الواقعة الخطيرة، ممن ظهروا في الشريط أو قاموا بتحريض الطفل على تناول الخمر وأصروا على التصوير والنشر، فإن هناك من الفعاليات الحقوقية من ترى في ذلك الفيديو فضيحة أخلاقية صادمة، لما يتضمنه من مشاهد تضرب في العمق كل الجهود التي ما انفكت تبذلها الأسرة والمدرسة واستراتيجيات الدولة في قطاع التعليم، معتبرين ما حدث جريمة بكل المقاييس، لاسيما أن الأمر يتعلق باعتداء سافر على طفل قاصر، وتعريض صحته وسلامته للخطر…

ففي هذا السياق سرعان ما تدخلت إحدى المنظمات الحقوقية المعروفة بالدفاع عن حقوق الطفل، داعية رئاسة النيابة العامة ومصالح الأمن المختصة، بما فيها تلك الفرق المكلفة بالجرائم الرقمية، إلى التعجيل بفتح تحقيق معمق لتحديد هوية “أبطال” الفيديو ومكان تصويره، في انتظار توقيفهم ومتابعتهم وفق مقتضيات القانون الجنائي المغربي والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحماية الطفولة، وطالبت كذلك بعدم التساهل مع مثل هذه الأفعال الجرمية الدنيئة، التي تستغل براءة الأطفال في صناعة محتوى رقمي “بئيس”، ملتمسة من القضاء تطبيق أشد العقوبات القانونية ضد المتورطين، لردع أي انتهاك يمس كرامة الطفل وحقوقه الأساسية، كما أنها دعت المواطنين إلى التوقف عن نشر الفيديو، حفاظا على الهوية البصرية للطفل الضحية…

ولعل الجميل في الأمر الذي أثلج الصدر، هو ليس فقط التزام المنظمات الحقوقية بمؤازرة الطفل الضحية والترافع عن حقوقه القانونية، بل كذلك تمكن عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في وقت وجيز وبناء على المعطيات الدقيقة لمصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني من وضع اليد على المشتبه فيه الرئيسي زوال يوم الجمعة 29 ماي 2026

إننا وفي انتظار أن تقول العدالة كلمتها في هذه النازلة الخطيرة، نتمنى صادقين أن تتضافر جهود جميع فعاليات المجتمع المدني والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام من أجل حماية طفولتنا من كل التجاوزات التي ما فتئت تعرض سلامتهم لمختلف المخاطر والأضرار.

المصدر