أين القضية الفلسطينية في هندسة الشرق الأوسط الجديدة؟

منذ 2 ساعات 3
ARTICLE AD BOX

عبد الصمد بن شريف

أين القضية الفلسطينية في هندسة الشرق الأوسط الجديدة؟

الجمعة 10 يوليو 2026 | 19:34

تؤكّد مختلف الصراعات والنزاعات والحروب عبر التاريخ أن مصداقية الاتفاقات وفعالياتها لا تقاسان بما يُدوَّن في نصوصها، بل بما تنجح في إحداثه من تغيير في الوقائع التي صنعت الحرب. فقد شهد العالم اتفاقات كثيرة حملت وعوداً بإنهاء النزاعات، لكنها انهارت عند أول اختبار، لأنها لم تعالج الأسباب العميقة للصراع، ولم تُحدث تحولاً في موازين القوى أو في طبيعة العلاقات بين الخصوم. ومن هذا المنطلق، يبدو اتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة واحتواء تداعياتها، منه إلى إقامة سلام دائم، وهو ما يفسّر حالة الشك التي تحيط به منذ ولادته. فالهدنة ليست رديفاً للسلام، ووقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب. إذ لا يزال الاحتلال الإسرائيلي قائماً في أجزاء من الأراضي اللبنانية، ولا تزال إسرائيل تحتفظ بحق التدخّل العسكري، متى اعتبرت أن حزب الله يعيد بناء قدراته، أو يشكل تهديداً لأمنها، فيما يرفض الحزب التعامل مع سلاحه باعتباره مجرّد ملف أمني داخلي، لأنه يعتبره جزءاً من معادلة الردع التي تشكلت عبر عقود من الصراع. وبين هذين المنطقين، تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بتحقيق معادلة تكاد تكون مستحيلة: بسط سلطتها الكاملة على الجنوب، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، والحفاظ على الاستقرار في ظل انقسام سياسي عميق وأزمة اقتصادية غير مسبوقة.

ولا تقتصر هشاشة الاتفاق على هذه التعقيدات، بل تمتد إلى بنيته القانونية والسياسية نفسها، فبينما تُفرَض على لبنان التزامات واضحة تتعلق بالسلاح والترتيبات الأمنية وآليات الرقابة الدولية، لا يقدّم التزامات مماثلة لإسرائيل بشأن الانسحاب الكامل، أو وقف الانتهاكات، أو احترام السيادة اللبنانية بصورة ملزمة. كذلك فإن مجموعة من بنوده، بحسب منتقديه، تتبنّى، إلى حد بعيد، السردية الأمنية الإسرائيلية، حين يُرجع اندلاع الحرب إلى نشاط الجماعات المسلّحة، في إشارة إلى حزب الله، متجاهلاً الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة، وما خلفته من دمار واسع في الجنوب اللبناني.

وتزداد الشكوك مع استمرار الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، وما يرافقها من تصريحات سياسية، تؤكّد أن تل أبيب لا تنظر إلى الاتفاق على أنه نهاية للصراع، بل مرحلة جديدة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في لبنان. وقد تجسّد ذلك في تصريحات بنيامين نتنياهو التي زعم فيها أن قرى مسيحية في جنوب لبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل لأنها ترى في الجيش الإسرائيلي حامياً لها من حزب الله. وبغضّ النظر عن صحة هذه الادعاءات، فإن إطلاقها يعكس محاولة واضحة لإثارة الانقسامات الداخلية اللبنانية، وإعادة إنتاج مناخ الشك والكراهية بين مكونات المجتمع، بما يخدم استراتيجية إسرائيلية تقوم على إضعاف الجبهة الداخلية اللبنانية.

وفي المقابل. تراهن الدولة اللبنانية على الدور الأميركي باعتباره الضامن الأساسي لتنفيذ الاتفاق. غير أنه رهان يبقى محدوداً، لأن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً، بل الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً. كذلك إن انشغال واشنطن بملفات دولية أخرى يجعل مستقبل هذا الضمان مرتبطاً بحسابات المصالح الأميركية، أكثر من ارتباطه بمقتضيات القانون الدولي أو متطلبات العدالة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الإيراني، الذي يشكل أحد مفاتيح فهم المشهد اللبناني. فطهران تنظر إلى حزب الله ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية، وأي تسوية لا تراعي هذه الحقيقة ستظل معرّضة للاهتزاز. لذلك لا يُصنع مستقبل الاتفاق في بيروت وتل أبيب وحدهما، بل يتحدّد أيضاً في واشنطن وطهران، حيث تتقاطع حسابات النفوذ والتوازنات الإقليمية. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن إسرائيل، التي تمتلك أحد أقوى الجيوش في العالم، وتتمتع بتفوق جوي واستخباراتي غير مسبوق في المنطقة، تجد نفسها عاجزة عن تحويل هذا التفوّق إلى إنجاز سياسي حاسم. فقد اعتادت المؤسّسة الإسرائيلية الاعتقاد بأن السيطرة العسكرية وحرية الحركة الجوية كفيلتان بتحقيق نتائج سياسية تلقائياً، لكن لبنان يعود ليقدّم درساً مختلفاً: هناك لحظة تنتقل فيها الحروب من ساحات القتال إلى غرف التفاوض، وعندها يكتشف العسكريون أن الدبابات لا تكتب الاتفاقات، وأن الطائرات لا تصوغ التسويات. ولعل هذا الإدراك هو ما بدأ ينعكس داخل إسرائيل نفسها، حيث ارتفعت أصوات كانت، حتى وقت قريب، من المحرّمات السياسية، تتساءل: كيف أقنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نفسها بأن لبنان مجرّد ملف يمكن إغلاقه بالقوة؟ وكيف جرى تسويق فكرة أن إيران يمكن إخضاعها بضربة عسكرية أو بعقوبات اقتصادية؟ وكيف تحولت وعود النصر السريع إلى عقيدة استراتيجية رغم افتقارها الحد الأدنى من الواقعية؟

لقد بُني جزء كبير من الخطاب الإسرائيلي على فرضياتٍ ثبت أنها مبالغ فيها؛ فلبنان لم يُخضع، وحزب الله، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها، ما زال لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، ليس فقط بما يملكه من قدرات عسكرية، بل بما راكمه من حضور سياسي واجتماعي ورمزي لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، التي تؤمن بشرعية مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة الوطنية، بصرف النظر عن الجدل المشروع بشأن سلاح حزب الله ودوره داخل الدولة.

ولهذا السبب، أخفقت كل محاولات دفع الجيش اللبناني أو الدولة اللبنانية إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، لأن غالبية القوى السياسية تدرك أن أي صدام داخلي لن يبني الدولة، بل سيهدّد وجودها، وأن استقرار لبنان لا يمكن أن يُفرض من الخارج أو ينهض على أنقاض حرب أهلية جديدة.

لقد أثبتت التجربة أن النزاعات التاريخية لا تُحسم بالقصف وحده، وأن المطالب الوطنية والسيادية لا تُلغى بالقوة العسكرية، وأن المجتمعات لا تُدار بمنطق التفوق العسكري فقط. ولذلك فإن ما يجري في لبنان يتجاوز حدود الساحة اللبنانية، ليشكل مؤشراً على نهاية مرحلة كاملة من أوهام الحسم العسكري، وبداية مرحلة جديدة يصبح فيها النفوذ الحقيقي مرهوناً بالقدرة على إنتاج تسويات سياسية قابلة للحياة، لا بمجرد امتلاك القوة.

ومن هنا تكتسب التفاهمات الأميركية – الإيرانية أهمية استثنائية. فإذا نجحت في الصمود، فلن تكون مجرّد اتفاق ثنائي، بل مفتاحاً لإعادة رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط، والعامل الأكثر تأثيراً في مستقبل ملفات لبنان وسورية والعراق والخليج. أما إذا انهارت، فستكون المنطقة مرشّحة لدورة جديدة من الصراعات المفتوحة.

وسط هذه التحولات، يبرز السؤال الذي ينطوي على أهمية كبيرة: أين تقع القضية الفلسطينية في هندسة الشرق الأوسط الجديدة؟ لقد سعت الحكومات الإسرائيلية، وفي مقدّمتها حكومة بنيامين نتنياهو، إلى إقناع الولايات المتحدة وبعض العواصم العربية بأن إيران أصبحت الخطر المركزي، وأن القضية الفلسطينية لم تعد سوى ملف ثانوي يمكن تجاوزه عبر التطبيع والتحالفات الأمنية. وكان الهدف الواضح نقل مركز الثقل في المنطقة من الصراع العربي – الإسرائيلي إلى الصراع مع إيران، بما يسمح لإسرائيل بتكريس احتلالها وتوسيع مشاريعها الاستيطانية بعيداً عن أي ضغوط دولية.

لكن الحرب على غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الدولي، وأسقطت الاعتقاد بأن السلام الإقليمي يمكن أن يتحقق مع بقاء الاحتلال. وكشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وحدود قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن القيم التي يرفعها عندما يتعلق الأمر بفلسطين.

ومن شأن تفاهم أميركي – إيراني أن يفرض قيوداً نسبية على اندفاعة اليمين الإسرائيلي المتطرّف، ويحد من فرص توسيع المواجهة مع لبنان وإيران، غير أن هذا الواقع قد يدفع حكومة الاحتلال إلى تعويض إخفاقاتها عبر تصعيد سياساتها في الأراضي الفلسطينية، سواء من خلال توسيع الاستيطان، أو تسريع تهويد القدس والضفة الغربية، أو مواصلة الحرب المدمّرة على غزّة، وهي السياسات التي يتبناها نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، باعتبارها آخر أدوات الحفاظ على تماسك ائتلافهم السياسي. ومع ذلك، يظل كبح هذه السياسات ممكناً إذا قرّرت الإدارة الأميركية التعامل مع أزمات المنطقة ضمن رؤية شاملة لا تكتفي بإدارة الحروب، بل تسعى إلى معالجة أسبابها، وإذا نجحت الدول العربية وإيران في بناء علاقات جديدة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل وفي إعادة ربط مختلف الملفات الإقليمية بالقضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية التي ظل تجاهلها سبباً رئيسياً لاستمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وبكل تأكيد، أي نظام إقليمي جديد، لن يمتلك مقومات الاستمرار إذا قام على تجاوز قضية فلسطين أو تأجيل حلها. والاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر تسوية سياسية عادلة تستند إلى الشرعية الدولية، وتضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة الأركان والمقومات، وتنهي الاحتلال، وتضع حدّاً للمشاريع التوسّعية التي يتبناها اليمين الإسرائيلي، والتي يصل سقفها الإيديولوجي إلى أوهام “إسرائيل الكبرى”.

وفي المحصلة، لا يبدو الاتفاق الإسرائيلي اللبناني بداية سلام شامل، بقدر ما يمثل هدنة هشّة فرضها الإنهاك المتبادل واستحالة الحسم العسكري. أما السلام الحقيقي، فلن يولد من ميزان القوة وحده، بل من ميزان العدالة أيضاً. فالدولة اللبنانية تحتاج إلى إعادة بناء مؤسّساتها وتوحيد قرارها الوطني، كما تحتاج المنطقة بأسرها إلى تسوية تعالج جذور الصراع، لا أعراضه. وإلى أن يتحقق هذا، ستظل الاتفاقات المؤقتة مجرّد محطات لالتقاط الأنفاس، فيما يبقى الشرق الأوسط معلقاً بين حرب استُنزفت أدواتها، وتسوية لم تنضج شروطها بعد.

المصدر